الذي أعتقده جازماً أن مشكلاتنا الاجتماعية وأمراض مجتمعنا في أيامنا هذه، لن ترى نور الحلحلة ولن تستنأنس بشمس الإصلاح وظله؛ إلا إذا سللنا سيف المواجهة عليها وأشهرنا في وجهها رماح الصراحة وأطلقنا كل ما بجعبتنا من سهام التوضيح غير هيابين ولا وجلين ولا خائفين من فضح دقائق أسرارها وتجلية أوضارها والغوص في آبارها السحيقة لسبر أغوارها وإخراج درر الحلول منها؛ حتى تعود للمجتمع الفاضل هيبته وتزول عنه أسباب تراجعه واهتزازه.

قضية الاختلاط والخلوة مع الأجانب والأقارب غير المحرم وحتى المحارم أحيانا في البيوت خطيرة وعواقبها وخيمة، لا يعرفها إلا من جربها وتعايش بمرارة معها.

إنها والله مشكلة كبيرة أزعجت الكثيرين وأرقت منامهم وأقضت مضاجعهم بل ونغصت عليهم عيشتهم وحولت حياتهم إلى نكد وعيشهم إلى ضنك وجحيم.. ولا يعرف هذه المعاني إلا من جربها واكتوى بلظاها واصطلى بنارها ولهيبها وأصيب فؤاده في مقتل من جراء التعامل مع مساوئها -أي الاختلاط والخلوة - المستسهلة بين الناس المستملحة عند بعض -إن لم يكن كثير- من شرائح مجتمعاتنا العربية بين الجاهلة منها وبين الثرية الموغلة في الثراء المتقلبة في النعم واللذائذ والملذات.. ممن استمرأ المعصية واستساغ الحرام وخالف الفطرة واستهزأ بشريعة رب العباد واستهون أمرها.

الذي أراه أن أسباب المشكلة تكمن في أمور ثلاثة؛ هي أس المعضلة وأساسها، ولا أنكر أن ثمة أمورا أخرى تتفرع منها. السبب الأول هو ضعف الوعي والوازع الديني لدى كثير ممن يجهلون أخطار الاختلاط والخلوة المحرمة.

أما السبب الثاني فبعض العادات والتقاليد البالية المنافية للشرع، والسبب الثالث هو ما تعرضه الآلة الإعلامية وهالتها سواء كان مرئيا أو مسموعا أو مقروءاً من تزيين المنكرات وإظهار الفساد بجميل صورة وأحسن أو - إن شئت فقل - أكذب عبارة.. وهنا أخص بالذكر سيئ ما يعرضه التلفزيون والفيديو والفضائيات وما يعرض على الشبكة العنكبوتية ، ولعل القارئ الكريم لو لم أسترسل في هذه الأمور شرحا وتفصيلا وتحليلا، لفهم المقصد وأدرك المراد.

أما الوازع الديني فكثير من الناس يرى من أتباع الدين تحجرا وتزمتاً وتطرفا بل وحيدا عن الحرية والتحضر وانحرافا عن الأخذ بأسباب النهضة في الأمة! وهذا إخوتي وأخواتي ما قادنا إلى السقوط في هاوية الإثم . ولذلك نهى ديننا الحنيف عن الاختلاط والخلوة بالأجنبية وغير المحارم، ونهى المرأة عن الخضوع بالكلام والتبرج والسفور الذي يحرك الغرائز ويثير الشهوات.. وأمر الاثنين الذكر والأنثى بغض النظر والبصر عن الحرام.

والأمر الآخر هو بعض العادات البالية والتقاليد المهترئة المخالفة للشرع والتي ترى الاختلاط والخلوة شيئا اجتماعيا يدل على الرقي والوجاهة الاجتماعية والتمدن والتحضر!-هكذا زعموا- والتي تحض الفرد وتحثه أن يختلط بالمرأة وأن تجالس المرأة الرجال الساعات الطوال وأن تتحدث الفتاة مع الفتى بالهاتف طويلاً ولعلهما خرجا والتقيا واختلى بها ليلقي عليها من معسول الكلام ومكذوبه ليسحبها إلى عتبات وخطوات الشيطان خطوة خطوة وعتبة عتبة..

هذا الأمر ناتج أيضا -حقيقة- من ضعف جانب التربية والتوجيه الصحيح لدى الأسرة حتى يكون الفرد ذكرا كان أو أنثى متحصنا من الوقوع في حفر الاختلاط والخلوة غير الشرعية.

أما الأمر الثالث والخطير هو ما تعرضه وسائل الإعلام بمقروءه ومسموعه وأخطرها شرا مستطيرا - المرئية وهنا أقصد الفاسد والوضيع الدنيء المنحل منه.. الذي يدعو إلى الخنا والفجور وإلى الرذائل والتي ترتكز على إثارة الكوامن واللعب على وتر دغدغة الغرائز بل تهييجها.

فكيف للفرد منا الذي لم يتحل بالدين ويتسربل بالفضيلة ويتوشح بالأدب وجميل الأخلاق أن يقاوم هذا السيل الجارف من الإعلام الفاسد الذي هو كالقطار لا يتوقف. وأقول هذا للذين يهونون من هكذا موضوع وكذا طرح. ديننا وشرعنا الحنيف الذي نتكئ عليه في كل تعاملاتنا، يحرم الخلوة حتى على القريب بل ويغلظ فيه..

وقد سئل صلى الله عليه وسلم: أفرأيت الحمو، وهم أقارب الزوج ، فقال: الحمو الموت ؛ لأن دخوله إلى البيت أشد خطرا من الرجل الغريب لأنه لا يثير ريبة ولا يلفت الأنظار. بل ونقول إنه ورد في الأثر أن لا تخلون مع امرأة ولو كنت تعلمها القرآن .. وفي مقولة أخرى: لا تخلون بامرأة ولو كانت مريم بنت عمران.. لخطر هذا الأمر وسوء عاقبته..

بل وأقول لهم ضاربا بعض الأمثلة.. أما عن الاختلاط من القريب نسبا، فكثير منا يسمع من القصص ما يندى له جبين الجنين في بطن أمه. وتجد بعض الناس يتشدق ويدعي أننا عندما نحذر من الحمو والقريب أننا متزمتون معقدون متخلفون نحسب الناس بهائم وحيوانات تحركهم الشهوة.. فأين التعقيد بعد وقوع المصيبة.. الذي أراه حلا هو تنمية الوازع الديني والتمسك بأهداب الشريعة فهو العاصم من هذه القواصم.. وعلى الأسرة أن تهتم بالتوجيه السليم والتربية الصحيحة المستمدة من الدين وأن تقوم بواجب المراقبة لجميع وسائل الإعلام في البيت ممزوجا مع الحوار المستمر والمناقشة الهادئة الدائمة لهكذا أمور مع أفراد الأسرة وأن يُتحرى في أمر الأصدقاء وأن يجسر التواصل بين المدرسة والبيت، وأن ينبذوا كل العادات والتقاليد المخالفة للدين المصطدمة مع شرعنا الحنيف.

ولعلي ختاما أن أذكر لكم أنموذجين عظيمين من شخصين تحصنا بالدين والتربية السليمة .. ولم يرضيا بالمنكر.. أنقلُ قصتهما من شخصين قريبين عزيزين علي.. القصة الأولى سمعتها من إمام مشهود له بالصلاح قالها لي: قال كان هناك شاب يعرفه هذا الشيخ تمام المعرفة..اقتضت الحاجة ان يسكن الشاب اثناء دراسته في بيت رجل معروف بفضله وشهامته في غرفة قصية من البيت.. ذات يوم جاء صاحب البيت وقال للشاب: إن أهل البيت سيغادرون إلى منطقة نوعا ما بعيدة لزيارة أهل لهم .. وإن ابنتهم في البيت مريضة..

فرد الشاب أنه لا دخل له بأحد .. فقال الأب: أنا أعلمك بهذا تحسبا لأي طارئ.. يقول الشيخ لي .. وكان هذا الشاب من خيرة الشباب خلقا وحياء وعلى درجة كبيرة من الوسامة الأخاذة الآسرة.. ذهبت العائلة.. وبينما الشاب في البيت يذاكر إذا بالبنت البالغة تدخل عليه وتصب عليه من كلمات العشق والغرام مايفقد صواب شيخ يقف على المنبر خطيبا وقالت له.. والله لن تبرح المكان حتى تمكنني من نفسك التي أحلم بها وأعشقها .. ورمت بنفسها عليه عارية.. فأبعدها وكان يصيح ويستنجد ويقول يالله أنقذني.. فإذا بالباب الخارجي للبيت يُطرق بقوة..

فهربت البنت وخرج الشاب ينظر.. فعندما فتح الباب رأى شخصا ضخما طويلا أبيض اللون يلبس البياض.. فابتسم له واختفى.. فلم تخرج الفتاة من غرفتها.. وذهب إلى المسجد حينها وكان -بعد تلك الحادثة- يجلس خارج البيت ويأتي للنوم إلى أن حول السكن من بيت ذلك الرجل الذي احتضنه.