إن قوام الأعمال بين الناس بالأمانة والذمة وانتظام الروابط والصلات بالوفاء وحسن السمعة وسعادة الفرد والمجموع في الحياء وشرف النفس النفس، فالناس لا يستغنون عن التعامل بالتجارة والتبادل والأخذ والعطاء والتساند في جميع أمورهم. فإذا لم ترتكن المعاملة على الصدق والأمانة لقلت الثقة واضطربت النفوس وخربت الذمم فتسوء الحال وتنتشر الظنون والريب والتشكك والخوف فتنقطع الصلات وتنحل الروابط إذا لم يؤد الإنسان واجبه بذمة طاهرة وضمير نقي ضاعت الحقوق وفسدت الأعمال.

تملك حب المال قلوب الطامعين، فبسطوا أيديهم للرشوة ومدوها للسحت الحرام يستحلونه ويأكلونه والرشوة تفسد الأخلاق وتفتك بالآداب وتهدم العفة والنزاهة وتميت الضمائر والذمم، وهي عنوان على طمع المرتشي وخسته ودليل على حمق الراشي وعدم كفاءته. وإذا فقد إنسان حياءه وأمانته وأضاع ذمته وأيقظ مطامعه وشهوته كان شراً على نفسه وأهله والناس أجمعين. ما دخلت الرشوة في أمر إلا جعلت نوره ظلاماً وطريقه قاتماً. فالرشوة في القضاء تطمس الحق وتحجب العدل وتقر الظلم وتخفي الجرائم وتستر القبائح وتقلب الوقائع رأساً على عقب فيفلت المجرم .

ويأمن الفاتك الباغى ويزيد في شره وعدوانه وتلفق التهم حول البريء وتحاك الشبه فتضيع حقوق العباد ويعم الظلم والفساد وتصبح أداة العدل سلاحاً للعسف والاستبداد. ولذلك حرم شرعنا الحكيم تولي القضاء بالرشوة وجعل قضاء من يتولى برشوة قضاء باطلاً وحكمه مهملاً لا ينفذ، وتوليته غير صحيحة. ومن أخذ رشوة بعد توليته فهو معزول شرعاً من عمله حتى لا يتلاعب بحقوق الناس فإنه لا يعرف العدل إلا من خشي ربه وعف نفسه وأحل كسبه.

الرشوة فى الوظائف تقدم الجهلاء وتؤخر الأكفاء وترفع الخامل وتخفض المجد العامل، فتموت الهمم وتضعف العزائم وتمرض النفوس وينتشر الخمول والعجز والكسل اعتمادا على رشوة تعطى ومبلغ يدفع. الرشوة في الحروب تسبب الهزائم المنكرة والمذابح الفظيعة، وتكون سبباً في ضياع الجيوش واستعباد الأمة وإذلالها. وكم تغيرت عروش وسقطت تيجان بسبب رشوة تعطى لقائد أو زعيم في قوم.

لكل أمة حراس يحرسون الحدود ويحافظون على الموانئ والثغور يصدون عدوان الدخيل ويمنعون المواد المخدرة والسموم الفتاكة، فإذا أخذ هؤلاء الرشوة تعرضت الأمة للأخطار والمهالك وتنسل المخدرات وتتسرب المكيفات السامة إلى داخل البلاد فتفتك بالنفوس والعقول والأموال وتمتلئ السجون بالمجرمين والمستشفيات بالمرضى وتشقى العائلات ويخيم عليها البؤس والفقر والشقاء.

والرشوة في الامتحانات تنجح الضعيف البليد، وتسقط القوي النابه وتقدم الكسالى على المجدين. وهكذا الرشوة دائماً داء فتاك للأخلاق مفسد للأعمال ما انتشرت في أمة إلا نزل بها الذل واضطربت فيها الأمور والأحوال الرشوة حرام أخذها حرام إعطاؤها حرام الوساطة بها .

وما دخلت الرشوة عملاً إلا أفسدته ولا نظاماً إلا قلبته ولا قلباً إلا أظلمته ولا جيباً إلا أفقرته ولا بيتاً إلا خربته ولم تدخل الرشوة على صاحبها إلا بالخسارة ونزع البركة لأن المرتشي طامع والطامع لو أعطي جبلاً من ذهب لتمنى الثاني، لأن جشعه لا يقف عند حد فالمؤمن من تعفف عن الحرام واكتفى بالحلال وقنع برزقه ورضي بعطاء الله، فمن أعرض عن الرشوة ملك زمامها. آكل الحرام مردود الدعوة لا يستجاب له دعاء ولا تفتح لطلباته أبواب السماء فاتقوا الله وخلصوا أنفسكم من داء الرشوة الذي تغلغل فينا حتى تدهورت الأخلاق وتعطلت المصالح وساءت الحال « وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم» .» صدق الله العظيم»