قال الشيخ: ذكرنا من نوافذنا الايمانية التي نقف عندها كما هي عند سعيد النورسي نافذة الافتقار، وهي تشير الى عجز وافتقار عند كل فرد في كل نوع، وفي الوقت نفسه تلبى حاجاته بيسر ودقة وإحكام، ومن حيث لا يسعى ولا يدري، ثم نافذة التعين، وهي تشير الى الفرادة والتميز ضمن كثرة تكاد تكون غير متناهية دون تشابه أو تكرار، مما لايمكن عزوه الى المصادفة العمياء.

ونقف اليوم أمام النافذة الثالثة وهي نافذة التمايز والاختلاف، يقول النورسي :ان أنواع النبات وطوائف الحيوان المنتشرة على الأرض هي أكثر من أربعمئة ألف نوع وطائفة وكأنها جيش هائل عظيم، فنرى أن كل نوع من هذا الجيش له رزقه المختلف عن الآخر وصورته المتباينة وأسلحته المتنوعة وملابسه المتميزة وتدريبه الخاص وتسريحه المتفاوت من الخدمة..

 وتجري هذه كلها في نظام متقن ووفق تقدير دقيق، فإدارة هذا الجيش العظيم وتربية أفراده دونما نسيان لأحد ولا التباس لهي آية ساطعة كالشمس للواحد الأحد، فمن ذا يستطيع أن يمد يد المداخلة في هذه الادارة المعجزة من دون مالكها القدير الذي لا حد لقدرته ولا حدود لعلمه ولا نهاية لحكمته، ذلك لأن الذي يعجز عن ادارة وتربية هذه الأنواع المتداخلة ببعضها البعض والأمم المكتنفة بعضها في بعض دفعة واحدة وفي آن واحد يعجز كليا عن مباشرة خلق واحد منها،اذ لو حصلت مداخلته في أي منها لظهر أثره وبان النقص والقصور (فارجع البصر هل ترى من فطور) ،فلا فطور ولا نقص، اذن فلا شريك (النوافذ 10).

فأمم النبات والحيوان كثيرة الى حد قد لا يتصور، ولكل منها طبائعه وتسيير أموره من حيث أرزاق أفراده وإدارة حياتهم وتحقيق غايات الحفاظ على الفرد والنوع، ان للتكيف الطبيعي والجماعي داخل كل أمة من هذه الأمم قصصا وطرائق لم يستطع الانسان أن يحيط بها فكيف بوضعها وايجادها؟!، أمم تتكاثر و تترازق من باب أن بعضها يكون سببا في رزق بعضها الآخر، ثم يكون لكل منها بصمته ومكانه وأثره في اللوحة النهائية لوجود متقن وجميل يشد بعضه بعضا.

ويخدم بعضه بعضا ..كأمم النمل والنحل وغيرهما من الحشرات والطيور والزواحف والحيوانات والنباتات، كل منها تدبر أموره وتسير وفق خطة عجيبة دون تخلف يصيب فردا واحدا من كل واحدة منها، ثم يكون للمجموع تناسق وانسجام في تأدية غايات عظمى أقلها خدمة الانسان الذي سخر له كل شيء وأعلاها الاعلام عن رب العزة خالق ومقدر كل شيء.

والآن أليس في هذه الكثرة من الأنواع والأمم، مع التمايز والاختلاف فيما بينها، مع الانسجام في تحقيق الأغراض والغايات، دليل على خالق قادر غني وكريم، ولنعد الى الطبيعة الصماء أو المصادفة العشواء، هل يمكن لأي منهما أن تدير الحياة بكل الدقة والاحكام داخل كل نوع أو أمة من الأمم، ثم يكون التمايز والاختلاف بين مئات آلاف الأنواع دون تداخل أو تشابه يعرقل الأداء أو يسبب الفوضى داخل كل منها، ثم يكون التساند بين هذه الأنواع والأمم لتكوين كل غنى وخصوبة الحياة وأشكالها على سطح الأرض ؟!.

لقد دلت العلوم المعاصرة الى أن المكون الأساس في كل الموجودات هو ذرات الهيدروجين والكربون، والآن لكي تتجنب التسليم بالإله القادر الحكيم عليك أن تتصور أعدادا كبيرة من مسارات لمصادفات تتراكب فوق بعضها البعض دون سماح الا للاحتمالات السعيدة بالرجحان في كل مصادفة حتى يعطي الكربون والهيدروجين ألف ألف نوع من جماد ونبات وحيوان ثم انسان، ثم يكون لكل نوع طرائقه في التكيف والبقاء مما لا يتطابق مع غيره، اللبنة الرئيسة الواحدة عليها أن تكون آلاف الأنواع ومليارات الأفراد والأداءات الحيوية والاجتماعية.

وفي زمن مهما امتد لا يمكن أن يفسر الواقع المحكم اليوم مع احتمال أن المصادفات قد أدت الى تجارب فاشلة لم تبق وتجارب ناجحة وناجعة هي التي بقيت وشكلت الوجود اليوم، لا يمكن لهذا أن يحدث الا مع وجود خالق غني وقادر وحكيم واضع لخطة الوجود كما كانت وستكون.