قال الشيخ : مازلنا مع النورسي بين يدي قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار...... الآية)، وقد رأى الشيخ في اختلاف الليل والنهار صوتا آخر من الأصوات الدالة على وحدانية وربوبية ذي الجلال القدير.
وحركة الأفلاك ومنها الأرض والشمس فيها من المنافع والمصالح ما يصعب حصره، وفي مجالات ونواح كثيرة لا يزال يستقرؤها العلم يوما بعد يوم، إلى درجة يستحيل معها ردها كلها على اختلاف مستوياتها وأماكن ظهوراتها إلى صدفة قد تفلح في جانب دون آخر، ونعود إلى الغزالي رحمه الله وقد أشار في (الحكمة في مخلوقات الله) إلى شيء من هذه المنافع بعد حديثه عن اختلاف الليل والنهار، فذكر اختلاف الفصول الأربعة وما فيها من نشوء السحاب والمطر، وسقيا الزرع والبشر واشتداد أبدان الحيوانات، وظهور الزهر والثمر وإدراك الغلات، وكل ذلك يأتي بتدريج وعلى قدر.
تناسق وتناغم
ونحن إذ نذكر ما قال الغزالي فإنما هو على محمل الإشارة، وإلا فإن المنافع التي تحصل عن دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس، في عوالم الإنسان والحيوان والنبات، لا تكفيها المجلدات الكبيرة، وكل ذلك بتناسق عجيب وتناغم غريب، ليس سهلاً حصره فكيف بخلقه وإبداعه!! ثم يقال إن هي إلا صدف قد توالت وتجمعت، فالصدفة قد رتبت حركة الأفلاك والأجرام، ثم رتبت آثار ذلك في العوالم المختلفة، ثم جعلت هذه العوالم يخدم بعضها بعضا، وكلها تخدم الإنسان في بدنه ونفسه، فهل رأيتم صدفا من هذا النوع؟
وهل يصح توالي الصدف بهذه النسبة والطريقة عند العقلاء؟ إن في النظر إلى حركة الأفلاك، وتعاقب الليل والنهار، واختلاف الفصول، وأثر كل ذلك في المخلوقات، وتسخيره للإنسان مما لم يكن ليقدر عليه وحده، لمحراب يشير إلى ذي الجلال والجمال وقد أفاض منهما سبحانه وتعالى على كونه ومخلوقاته، والى القادر على كل شيء، والى الرحمن الرحيم، والى اللطيف الحكيم، ومن لم ير الجلال والجمال والقدرة والرحمة واللطف والحكمة، في الخلق والإبداع، والتسيير والتسخير، والربوبية المنعمة الحافظة الراعية، ومال إلى عز وكل ذلك إلى الصدفة أو الطبيعة فإنه ليس أكثر من جاحد أعمى القلب والفؤاد.
ثم إن الأمر لا يقف عند الأرض والشمس مع ما فيهما من عظمة وأسرار، فهذا هو القمر وقد سخر لمنافع أخرى لسنا في صدد التفصيل فيها، ثم ان كل المجموعة الشمسية ما هي إلا جسيمات صغيرة في كون عملاق يثير مشاعر الرهبة والخشوع بين يدي ذي الجلال.
والحديث اليوم انما يتم عن آثار تلك الفضاءات الكبرى بما فيها على الأرض ومن فيها، ثم ان كل ما نعرفه عن هذه الفضاءات العملاقة لا يزيد على 4% من الكون المخلوق، في حين أن 96% الباقية موزعة على المادة المظلمة والثقوب السوداء، وهي مما لا يعلم كنهه وآفاقه إلا الله.
نداءات القران
لسنا هنا في معرض التفصيل في آيات الكون وهو موجود عند أهله لمن أراده، ولكننا في صدد وقفة خاشعة لمن أراد أمام وجود ناطق باسم الله الأعظم وبأسمائه الحسنى العلية، ولسنا هنا في صدد المحاجة مع من لا يريدون أن يروا الخالق المبدع الكريم في كل ما حولهم، وإنما هي تسبيحات من آمن بالله وعرفه في مخلوقاته واستجاب لنداءات القرآن الكريم إلى التبصر في آيات الأنفس والآفاق.
يقول النورسي: ثم ان جميع الحيوانات التي تملأ البر والبحر والتي يرسل رزق كل منها برحمة واسعة، وتكسى بأثواب متنوعة، بحكمة تامة، وتجهز بحواس مختلفة بربوبية كاملة يشير كل منها إلى ذلك القدير ذي الجلال، ويشهد على وحدانيته، كما أن مجموعها ككل يدل معاً وبمقياس واسع على عظمة الألوهية وكمال الربوبية.
(النوافذ 13). ألف ألف صنف من الأحياء في البر والبحر، كل له خلقه ورزقه وجماله، تقضى حوائجه ويساق إليه رزقه، وقد سخر بعضها لبعض، وسخرت كلها للإنسان الذي أراده الله خليفة في الأرض،لا ظلم ولا حيف بينها إلا ما أراده الله عز وجل من تسخير بعضها لبعض، حكمة وجلال ولطف وكرم ورحمة، سبحان الله أحسن الخالقين.
