يقول الله تعالى: «يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين»، ولقد أنعم الله على الإنسان بالنطق واللسان وميزه بالكلام والبيان على سائر الحيوان فوجب علينا شكره تعالى على تلك النعمة باستعمال ألسنتنا في القول الحسن وطيب الحديث.

ولكن الإنسان يكفر بنعمة الله وينسى فضل مولاه ويغفل عن شكر الإله فيستعمل لسانه فيما لا يرضاه ويتخذه أداة للسب والشتم والغيبة والنميمة والجدال والخصومة بالباطل والتكلم فيما لا يعنيه، حتى صار هذا العضو الصغير (أي اللسان) مفتاحاً لجهنم وسبيلاً لصاحبه إلى النار. قال صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم». اللسان واحد من اثنين إن حفظتهما فزت بنعم الآخرة فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين جنبيه أضمن له الجنة».

ولقد كان المسلم قديماً يتكلم قليلاً ويعمل كثيراً ويتجنب فضول الكلام ويبتعد عن فحش القول وسقطات اللسان، لأنه يعلم أن كلامه معدود عليه وما يخرج من لسانه سيحاسب عليه.

والمسلم اليوم يتكلم كثيراً ويعمل قليلاً ويتخذ من لسانه مقراضاً يقرض به الأعراض ويتطاول به على العباد، كأنه أمن العذاب وضمن الحساب في يوم يقول الله فيه «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» والجريمة العظمى والكبيرة المنكرة هي شهادة الزور وقول الزور التي فشت في هذا الزمان وصارت صنعة ووظيفة لكثير من الناس يتكسبون منها مالاً حراماً ويأخذون أجراً على قلب الحق باطلاً وتصوير الباطل حقاً واتهام البريء وتبرئة المسيئ وطمس الحقائق وتغيير الوقائع أولئك جند إبليس وأعوان الشيطان من أدنياء الخلق وأبغضهم إلى الخالق، حيث خالفوا أمره وأضروا عباده. فلقد كثرت المحاكم وزادت الحوادث وتنوعت وعظمت المطامع وخربت الذمم وضعف صوت الدين في القلوب فباع السفهاء ألسنتهم ولم يعلموا أنهم بذلك قد باعوا دينهم، لأن شهادة الزور تساوي الشرك بالله وتعادل في الإثم عبادة الأوثان، فيقف شاهد الزور أمام قاض يتلو بشهادة كاذبة حفظها عن ظهر قلب سعياً وراء دراهم معدودة وفي سبيل قروش محدودة يخرب البيوت العامرة بشهادة ويسجن هذا ويظلم ذاك، وينسى أنه سيقف بمجلس القضاء الإلهي أمام الخالق جل وعلا وهو أحكم الحاكمين، ولا يعلم أنه بشهادة الزور قد بنى لنفسه بيتاً في النار. وليست شهادة الزور قاصرة على المحاكم، فمن شهادة الزور أن تصف مسلماً بغير حقيقته لتنفر منه الناس وتحط من قدره، ومن شهادة الزور أن تسأل عن زميل لك فترفعه إلى السماء وأنت راض عنه أو تخفضه إلى الأرض وأنت ساخط عليه، ومن شهادة الزور أن يسأل شاب عن عائلة تعرفها ليتزوج منها فتشوه له الحقيقة وتغشه وتخدعه، ومن شهادة الزور أن تنتقص عمل المخلصين وتمدح الخاملين والعاجزين، وكل قول تخالف فيه الحقيقة فهو من شهادة الزور، فاتقوا الله وزنوا أقوالكم قبل صدورها وقبل أن تحسب عليكم، ولا تكتموا شهادة الحق، فقد قال تعالى «ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه».