قديماً توجه أبو الأنبياء إبراهيم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، بدعوةٍ شقّت عنان السماء فأصابت سويداء القلوب المؤمنة وحلّت منها محل الرغبة والرضى، ألم يقل ربنا تباركت أسماؤه يحكي هذه الدعوة الصادقة الممتدة عبر القرون «فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم»؟ وهل يرد الله سبحانه دعوةَ خليله في توجيهه القلوب وهويّها إلى بيته الحرام؟
إنه من أجل هذه الدعوة المنطلقة من قلب الخليل التي تفتحت لها مصاريع السماء، وأبواب القلوب الحيّة، وغدت قرآناً يُتلى إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، من أجل هذه الدعوة لا تزال القلوب اليقظى منجذبة إلى تلك البقاع، إنها دعوة لا تنمحي بل لا تخمد ولا تبرد مهما تطاول الزمان وأوغل في المستقبل الآتي، ولا يزال نور هذه الدعوة يقوى ويسطع يوماً بعد يوم متجلياً بتلك الملايين المشدودة إلى أرض الحجاز المتلهفة لرؤية البيت العتيق، والوصول إلى ذلك الوادي غير ذي الزرع والغني بالمشاهد والآثار والنور والضياء .
نعم يا سيدي يا أبا الأنبياء: إن القلوب تهوي إلى بؤرة النور كما دعوتَ وأردت كأنما يربطها بهذا البيت صلة نسب أو وشيجة رحم، فتراها في كنفه مستظلة بظله متفيئة أفياءه، وقد تضلعت من سُقيا الطمأنينة القراح، وأنست لشآبيب الرحمة تنهمر انهماراً وتنصبّ انصباباً، وإذا بهذه القلوب الخاشعة المنيبة تموج في بحار الرحمة الطامية حول البيت متسربلة أجسادها التي خَفَتَ صوتها، وضعُفت حقيقتها أمام سطوة الأرواح المنطلقة المحلقة عالياً وراء هذه العوالم الكثيفة .
ما أجمل الإنسان عندما يتخفف من أثقاله ويحطّم قيود الكثافة والحس، وتنعتق روحه من أسرها فيحلّق بعيداً بعيداً إلى عوالم لا تراها عيون الأجساد لكن للأرواح اللطيفة فيها ميدان رحب فسيح، وجولات بديعة رفيعة؟
وما أقسى القلوب التي لا تحن ولا تطمح إلى غذائها المصفى، وعالمها الآسر؟ وأي جفاءٍ يغلف قلباً تظلّه هذه الأيام ثم لا يكون له في ميدان النور مسرح ومطرح ولا من لواعج الشوق نصيب وشأن .
سبحان الله ما أحلى بطاح مكة والمدينة؟ وما هذا الجمال الذي تبديه والجلال الذي توحيه، فلا يبصره إلا من كان له قلب حي بصير؟
أرض الذكريات
أليس على هذه الأرض المباركة وُلد الحبيب عليه وعلى آله الصلاة والسلام؟ ثم ألم يشرق نور الوحي ليبدد ظلام الدنيا من غار حراء في جنبات مكة؟ من ذلك الغار الساكن الوديع المطل على البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ليكون ذلك الوحيُ أثمن هدية إلى البشرية، وليصبح سيدنا محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام خاتم المرسلين وصاحب أعظم رسالة وأخلدها.
طبت يا أرض الذكريات، يا أرض مكة وطيبة، فهنا دعا صلى الله عليه وسلم الناس وعلّمهم، وهنا أوذي في الله فرضي وصبر، ومضى غير خائف ولا متردد .
وهنا طاف وسعى وهنا دعا ربه وناجاه، وهنا مشى وخطب ووعظ . وهنا جاهد وحضّ على الجهاد، هنا جلس في ظل نخلة أو ظل جدار، وهنا سارت الناقة، وها هنا وقفت وبركت، وها هنا جلس مع الصحب الكرام أو عمل معهم . ولئن أعاقت الوصول إلى أرض الحبيب عوائق وسدود، فإن الأرواح تحطم السدود وتجتاز العوائق، إنها هناك لا يقدر على منعها مخلوق، تهيم مع الهائمين، وتقبل الركن والباب والحصى والتراب .
سبحان من أودع في كل قلب ما أشغله، ولك الحمد يا ربنا أن وجهتَ قلوبنا إليك وإلى محبة بيتك الحرام وشعائرك المهيبة الحسان حتى علق القلب بها فلا يريد أن يبرحها ولا يطيق عنها بُعداً أو فكاكاً.
المعاني الكامنة
إن حياة الذاكرين ليست الحياة المحسوسة التي يشترك فيها الإنسان مع باقي الكائنات الحية، وإنما هي حياة الروح وروح الحياة، حياة القلب وقلب الحياة، نقصد الحياة التي عبر عنها الله تعالى بقوله: «يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ» (الأنفال: 24)
ومن ذلك النداء القرآني: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق» (الحج: 27) فإذا نوى الحجيج قصد بيت الله الحرام منفعلين بهذا النداء يصبح شعارهم الدائم، وكلمتهم الصاعدة هذا النشيد الإلهي الذي يعبرون به عن فقرهم أمام الله وشعورهم بعظمته ونعمته وملكه وسلطانه: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
