القرآن يزود الإنسان بكل المعارف الضرورية له، ولم يخل عصر من العصور من كتب منزلة ورسل مرسلين إلى بني الإنسان، كل ذلك لأجل أن يعبد الله ويجتنب الطاغوت وليعلم الإنسان أنماط السلوك والقيم الأخلاقية وأسلوب الحياة الذي يريد الله للبشر.
وأرشدت الكتب السماوية الإنسان إلى المعاني الحقيقية لمفاهيم الخير والشر والخطأ والصواب، ولفتت نظره إلى ما سيتلو الموت من حياة اخروية يثاب فيها المحسن ويعاقب فيها المسيء.
وبهذه الكيفية بيّن الله كل ما يحتاج الإنسان إلى معرفته على امتداد حياته عن طريق الأديان السماوية، فلم تغادر هذه الأديان كبيرة ولا صغيرة فيما يتصل بكيفية تحقيق حياة قيمة وطيبة في هذه الدنيا وفي الآخرة إلا جاءت بها. وقد وردت الإشارة إلى الغاية الأولى من خلق الإنسان وإرسال الرسل وإنزال الديانات في آيات كثيرة من آي الذكر الحكيم: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين «(النحل: 89)،»وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»(الإسراء: 105)، «ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ»(الأنعام: 154).
إن القرآن يبين الغاية الحقيقية من خلق الإنسان فقد شهد التاريخ على امتداد حقبه خلق وحياة وفناء اعداد هائلة من البشر يصعب حصرهم، قلة قليلة منهم جهدت ما وسعها ذلك لمعرفة الغاية الحقيقية للحياة، أما البقية الباقية فانجرفت مع تيار الأحداث اليومي وقضوا حياتهم جرياً وراء غايات صغيرة تافهة.
ولهذا كانت غاية وجودهم وشغلهم الشاغل هو أن يحققوا رغباتهم الخاصة. إن موقفا باطنيا غير مسؤول يميّز هذا الضرب الطاغي من السلوك في كل المجتمعات في مختلف عهود التاريخ تقريبا. فكل جيل، باستثناء حالات قليلة، وقع في ذات الأخطاء التي وقع فيها الجيل السابق وتبنى بكل بساطة أهداف وقيم آبائهم الأولين. وهي دائرة مفرغة لا تزال تدور إلى يومنا هذا.
التخطيط للمستقبل
لقد استعبدت أكثر الناس فلسفات ومبادئ راتبة يقوم أكثرها على المبدأ التالي: إن الإنسان يظهر في الوجود ويشب ثم يكبر ثم يموت. إن الإنسان لا يولد إلا مرة واحدة، وإن الموت هو نهاية كل شيء. ولهذا يتعين على الناس أن يحيوا حياتهم طولا وعرضا وأن يسعوا لتحقيق رغباتهم وإشباع نزواتهم وشهواتهم ما دامت في حياتهم بقية.
وهكذا طفق الناس ينفقون حياتهم التي ظنوا حمقاً أنها الحياة الوحيدة متشبثين بأنماط الحياة والسلوك التي ورثوها من أسلافهم الغابرين. وشرعوا، مدفوعين بروح مجردة من الوعي بالموت، في جعل اتباع الشهوات والتخطيط للمستقبل غايات سامية لحياتهم. ويصدق هذا الوصف على كل الناس على اختلاف مشاربهم وشياتهم الثقافية والاجتماعية. فقد أصبح الحصول على تعليم راق وشغل منصب مرموق وتحقيق مستوى عال من العيش وبناء أسرة سعيدة وغير ذلك مما لا يحصى من الأهداف المماثلة، غايات ثابتة للحياة.
زينة الحياة
ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتفكرون ويرجعون (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرا، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير املا). الكهف 45-46
ويمكن تعلم مصدر المعرفة التي يريدها الحق للإنسان من التفكر في أول آية في التنزيل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، اقرأ أي أطلب المعرفة باسم ربك واسم الرب هو الله أي أقرأ باسم الله، أي اقرأ وأطلب المعرفة من الكتاب الذي يبدأ باسم الله، والكتاب الأول الذي يبدأ باسم الله هو القرآن الكريم. فإذا مصدر المعرفة الأساسي الذي يريده الله عز وجل للإنسان هو كتابه القرآن الكريم، ويتفرع منه بعد ذلك كتب كثيرة تستقي النور منه ويبقى هو الأصل.
