يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول رب أكرمن، وإذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول رب أهانن، كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما، وتحبون المال حبا جما).
ففي الآية الكريمة نوعان من الابتلاء وهما العطاء من الله عز وجل للإنسان، ثم الابتلاء الثاني وهو التقدير في الرزق، والإنسان المسلم المؤمن هو الذي لا يغيره كثرة المال أو الرزق ولا يغيره قلته، فعنده الأمر سواء لأن ذلك من رب الأرض والسماء القادر على كل شيء، ولو شاء لرزق الناس جميعا ولكن لحكمة أرادها، وفي الآية الكريمة دعوة إلى الإسراع في بذل الخير والامتناع عن الشر، كإكرام اليتيم وإطعام المسكين وعدم الظلم في الميراث.
وخلق الله عز وجل الموت وكتبه على كل الأحياء فيقول عز من قائل: «تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور».
فسبحانك ربنا كتبت على خلقك الفناء وتفردت وحدك بالبقاء قدرت علينا الموت وأنت حي باق دائم سبحانك يا من جعلت لكل أجل كتاباً ولكل نفس حساباً تنال بعده ثواباً أو عقاباً وقصرت الأعمال على وقت محدود ونفس معدود سبحانك جعلت لكل حي نهاية ولكل إنسان غاية ووقتاً معلوماً ورزقاً مقسوماً وقضاء محتوماً لا نقص فيه ولا محيص: « فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون».
وإذا انقضى العمر فلن يستطيع أحد أن يشترى دقيقة واحدة ولو بأموال قارون، سبحانك يا من جعلت العدم نهاية كل حي وختام كل شيء وآخرة كل كائن فمهما عاش الإنسان فهو إلى الموت صائر ومهما تجبر فلا بد إلى القبر سائر (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
والسؤال: لم قدر الله الموت على عباده وكان قادراً أن لا يميتهم؟ لم كتب الفناء على خلقه ولو شاء لأبقاهم وخلدهم في دنياهم؟ ما حكمة الموت وما فائدته؟ ولم لا نعيش أبداً لا نفنى ودائماً لا نذهب؟ ولذا فقد قدر الله عليه الموت ليرجع عن غيه ويقلل من طمعه ويحسن أعماله إذا تفكر في القبر، فالموت زاجر رادع وحاجز مانع ولولاه لما وقف إنسان عند حد ولولاه لما رجع مخلوق عن أي غرض وقصد.
قدر الله علينا الموت ليذل به كل جبار عنيد ويقهر به كل مستبد عتيد وليكون إنذارا للغافلين وتنبيها للنيام والجاهلين ولجاماً للشهوات، قدر الله علينا الموت لييأس العابد من متاع الحياة فيعرض عنه وييأس الفاجر من النجاة لحرصه عليه، وإذا كانت الأرض تضيق بأهلها الأحياء وتزدحم بالموجودين فكيف بها لو عاش الناس من مبدأ الخليقة إلى يوم الدين؟ وإذا كان الناس لا يكفون عن الشر والأذى وهم يعلمون أن الموت مصيرهم فماذا يكون حالهم لو قدر أن الموت لا يصيبهم؟ إذا كان الناس يسأمون العيش ويملون الحياة وهي محدودة زائلة فأي سأم وأي ملل كان يكفيهم لو كانت حياتهم ممدودة؟ قدر الله علينا الموت يذكرنا بقدرته وعظمته، قدر الله علينا الموت ليكون أكبر عظة وعبرة وأبلغ درس وحكمة وأي عظة أكبر من القياصرة العظام وظلمة الملوك والحكام الذين كانوا يحكمون بالإعدام صيرهم الموت في الرغام أي عبرة أعظم من أهل النعيم والثراء والرفاهية وقد كانت لا تسعهم القصور فوسعتهم القبور وبعد أن نعموا بأفخر الثياب غمرهم التراب وحرمتهم الأجداث، من الرياش والأثاث ومن أنوار الكهرباء الساطعة إلى ظلمات الفناء الحالكة.