الأسرة المسلمة هي نواة المجتمع الإسلامي وكيانه وهى ركيزة تقدمه وأساس بنيانه، وبصلاح الأسرة واستقامة أفرادها يصلح المجتمع الإسلامي ككل في دنياه وفى أُخراه .

ولكي نصل إلى هذا الإصلاح والنجاح داخل الأسرة لابد لنا من منهج قويم وتخطيط سليم وقدوة حسنة، ونموذج أخلاقي نهتدى بهديه ونتبع منهجه .

ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهديه هو طوق النجاة في هذه الدنيا لكل أسرة مسلمة وكيف لا وهو القائل تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا... «كتاب الله وسنتي».

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال: يا رسول الله أوصني: قال: أعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله قال هذا، وأشار بيده إلى لسانه. رواه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد.

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجال حباهم الله بصحبته ومحبته وأتباعه وكان هؤلاء الصحابة يستنصحون رسول الله ويطلبون هديه ومن هؤلاء الصحابة معاذ بن جبل الملقب بأبي عبد الرحمن، إمام الفقهاء، وكنز العلماء، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أبيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل.

وقد طلب معاذ من رسولنا الكريم النصح فأعطى له المنهج والطريق في كلمات موجزة ولكنها عميقة وبدأها رسول الله بأن نعبد الله كأننا نراه وبأننا نراقب الله تعالى في أفعالنا وأقوالنا حتى نصل إلى مرتبة الإحسان الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم في إجابته عندما سأله سيدنا جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه ... فإن لم تكن تراه فهو يراك» وهذا هو مقام المشاهدة الذي لا يصل إليه ولا يفوز به إلا كل صديق .

وبيان ذلك وإيضاحه كما قال العلماء أن للعبد في عبادته ثلاثة مقامات:

الأول: أن يفعلها على الوجه الذي يسقط معه الطلب ..وذلك بأن تكون مستوفية للشروط والأركان.

الثاني: أن يفعل العبد منا عبادته وقد استغرق في بحار المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى. وهذا هو مقامه صلى الله عليه وسلم كما جاء في قوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة».

الثالث: أن يفعلها كذلك وقد غلب عليه بأن الله يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة،

وهذا هو مفهوم الإحسان الذي يجعلنا نعبد الله تعالى ونحن نستشعر أننا في حضرته وتحت نظره ولا نحرم أنفسنا من الخشوع بين يديه والمبالغة في طاعته وحُب المثول بين يديه وأداء فرائضه ثم نرتقي إلى سُننه وما نلبث أن نكون عباداً ربانيين كما قال الله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. آل عمران 79

ومما لا يترك مجالاً للشك أن مقام المراقبة لله تعالى ستصل بمن يتبعها إلى درجة العارفين التي إن وصل العبد إليها كان من أسعد السعداء في الدنيا والآخرة فهذا هو بر الأمان في سفينة الإيمان تحت راية الإحسان وكما ورد في الأثر: "العلم نهر، والحكمة بحر، فالعلماء حول النهر يطوفون،والحكماء وسط البحر يغوصون، والعارفون في سفن النجاة يسيرون».