أكد العلماء المسلمون أن تكرار فريضة الحج تعتبر من النوافل، مشيرين إلى أن المسلم مطالب بأدائها لمرة واحدة، ويمكن أن يوجه الأموال بعد ذلك إلى الأمور الإنسانية والخيرية ومن جهة أخرى، وبسبب عوامل عديدة أصبح العالم الإسلامي واقعًا بين مطرقة الظروف الاقتصادية الطاحنة وسندان المشكلات الاجتماعية مثل تأخر سن الزواج للشباب وارتفاع نسبة العنوسة بين الفتيات واحتياجات الفقراء. «البيان» استطلعت أراء عدد من المفكرين وعلماء الدين حول هذا الموضوع.. وكانت البداية بالدكتور محمد محمد زناتي - أستاذ التفسير وعميد كلية الدراسات الإسلامية الذي قال: إن الله حين فرض الحج جعله واجبا مرة واحدة في العمر فإذا أداه الإنسان مرة واحدة يكون أدى الفريضة، ولا مانع من تكرار الفريضة عند إمكانات تحققها.

وإن كنت أرى أن حكم تكرار الحج يتغير بتغير الزمان، ففي أيامنا هذه يفضل أن يكون أداء الحج مرة واحدة، ومن كانت عنده إمكانية الحج أكثر من مرة، فالأولى به أن يتبرع بنفقات هذا الحج للفقراء والمساكين، وفي حالة وجود أولاد عنده في سن الزواج وجب عليه تزويج أبنائه قبل تلبية احتياجات الفقراء والمساكين وفي حالة الخوف على أبنائه من الهلاك والانحراف بسبب عدم زواجهم فعليه أن يزوجهم أولاً حتى ولو لم يحج مطلقًا، وكان ينوي بهذه الأموال القيام بالحج لأول مرة، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

 

قيمة الاموال

ويضيف: الحج لمن استطاع إليه سبيلا، وفي حالة زواج أبنائه ولم تبق معه أموال للقيام بالحج فلا شيء عليه، لأنه في حالة الامتناع عن زواج أبنائه قد يلجأون إلى ارتكاب المحرمات ومن ثم فالضرر هنا سوف يصيب المجتمع عامة وليس الفرد فقط.يتدخل في الحديث الدكتور سعيد محمد أحمد - أستاذ الفقه المقارن، موضحا أن الأمر يختلف في حالة ما إذا كان الحج للمرة الأولى أم نافلة، فإذا كان الحج للمرة الأولى وهناك أبناء في حاجة ماسة إلى الزواج فيرجع الأمر إلى قيمة الأموال التي يملكها هذا الشخص الذي ينوي الحج فإذا كانت تكفي زواج الأبناء ولا تكفي القيام بالحج، فهنا عليه تزويج أولاده.

وإن كانت هذه الأموال تكفي القيام بالحج وجب عليه أداء هذه الفريضة لأنها ركن أساسي من أركان الإسلام، وزواج الأبناء ليس بالفرض على الأب كما في الحج. لكن، والكلام لأستاذ الفقه المقارن، في حالة تكرار الحج وجب عليه تزويج أولاده لأن الحج هنا أصبح نافلة وليس فرضا، فهنا الأفضل زواج الأبناء خوفًا عليهم من الجري وراء المحرمات، خصوصًا أن المجتمعات الحديثة أصبحت مليئة بالفساد الأخلاقي الذي يساعد الشباب على الانحراف، في ظل انشغال الآباء عنهم، بسبب الظروف الاقتصادية التي تواجه العامة.

«بالطبع هناك أمور مقدمة على أداء الحج».. هكذا قال د.عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن، مشيرًا إلى أن تزويج الأبناء يأتي في مقدمة هذه الأمور خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها قطاع كبير من شباب المسلمين. إدريس يرى أن تزويج الأبناء لا يعود بالفائدة على الابن المتزوج فقط، ولكنه يشمل أيضًا المجتمع بصفة عامة حيث يترتب على ذلك حماية المجتمع وعدم وقوع الشباب في المعصية، فضلاً عن القضاء على نسبة العنوسة المتزايدة بين الفتيات المسلمات بسبب انخفاض معدلات الزواج بين الشباب.

وفي الإطار ذاته يرى إدريس أيضًا أن التصدق بأموال الحج أفضل من تكرار هذه الفريضة، ولاسيما في ظل وجود كثيرين في أشد الحاجة لهذه الأموال التي بلا شك ستعود عليهم بفوائد جمة وتحل لهم مشكلات كثيرة، وذلك على العكس من تكرار الحج الذي لن يعود بالفائدة إلا على صاحبه فقط. ويتفق د.محمد يوسف كريت رئيس قسم الدعوة بكلية أصول الدين مع ضرورة تقديم تزويج الأبناء على أداء فريضة الحج ويشير كريت إلى أنه ليس من المنطقي أن يذهب الوالد إلى أداء فريضة الحج وأن يترك ابنه بدون زواج، خاصة إذا كان عمره قد تعدى الثلاثين، وهو أمر ينذر بنتائج اجتماعية وخيمة، ويأتي في مقدمتها شيوع الفاحشة وارتفاع نسبة العنوسة.

إن الظروف الاقتصادية التي يعيشها المسلمون في شتى بقاع الأرض تؤكد ضرورة قيام الآباء بمساعدة أبنائهم في تكاليف الزواج، لاسيما أن الحاجة للزواج هي حاجة ملحة وضرورية ولا يمكن تأجيلها، وذلك على عكس فريضة الحج التي يمكن تأجيلها وأدائها في وقت لاحق. كما يرى كريت أن تكرار الحج أمر غير مرغوب في حالة وجود من يحتاج إلى الأموال المخصصة لأداء الحج مرة أخرى، خاصة أن تكرار الحج يدخل في باب النوافل، وليس الفروض لذا فالأفضل توجيه الأموال المخصصة لأداء هذه النافلة إلى الفقراء لسد حوائجهم. يقول الشيخ محمد صادق من علماء الأزهر الشريف :إذا كان الأب لم يؤد هذه الفريضة فإنه لا يجب تأخيرها طالما توافرت الأموال الكافية لأدائها.

وطالما أنه يوجد هناك استطاعة بدنية للقيام بمناسكها لقوله تعالى{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}. وعن تكرار الحج يرى أنه أمر مرغوب ومحبب فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، ومع ذلك فإنه إن وجد ما يستلزم ضرورة توجيه الأموال المخصصة للحج مرة ثانية إلى أمور أخرى أشد إلحاحًا مثل سد حاجة الفقراء فإن ذلك يعد مقدمًا على تكرار الحج.

التطوع

يختلف د.محمد عبد المنعم البري أستاذ الأديان في أن تزويج الأبناء مقدم على أداء فريضة الحج، مؤكدًا أنه يجب على المسلم أن يسارع إلى أداء فريضة الحج في حال توافر الظروف المادية لذلك لقوله تعالى{وأتموا الحج والعمرة لله}، خاصة أن هذه الظروف قد لا تتوافر بعد ذلك حتى وإن توافرت فقد تتأتى في سن متقدم لا يقدر خلاله الشخص على القيام بأداء فريضة الحج. البري في رأيه أن الأمر يختلف في حالة الحج لأول مرة عن تكرار الحج لمرات أخرى، فالحج ليس فريضة بعد الحجة الأولى بل يكون تطوعًا ونافلة في التقرب إلى الله، وبالتالي فإن قواعد الشريعة وحكمة الله تعالى تقوم على توجيه عباده إلى الخير على أساس تقديم الأهم والأنفع وهو ما يقتضي بسد حاجات الأولاد مثل الزواج فنفقة الأولاد مقدمة في هذه الحالة على التطوع بالحج في المرة الثانية.

إن الله ينظر إلى نفقة الأولاد في مثل هذه الحالة على أنها أفضل من التطوع بالحج فليس لله حاجة في الطواف ببيته من شخص يترك أولاده فريسة للفاحشة بسبب عدم الزواج. يرى الدكتور البري أن المعطيات الاقتصادية الراهنة تؤكد أن توجيه الأموال المخصصة لتكرار الحج إلى أبواب الخير الأخرى مثل إعانة الفقراء أو علاج المرضى أو رعاية الأيتام أفضل من القيام بالحج للمرة الثانية، خاصة أن تكرار الحج أصبح وسيلة للتباهي عند البعض بين الأهالي والأقارب وهو ما يفرغ هذه الفريضة من مضمونها وأهدافها الروحانية.