من علم النبات أن يصنع من الماء حباً؟ وأن يخرج من الأرض عنباً وزيتوناً ونخلاً؟ أهي المصادفة يا ترى، أم هو الله تعالى؟، فـ (الأكرم) اسم من أسمائه الحسنى.

ومن كرمه جل في علاه أن جعل النفس البشرية قادرة على التمتع والتلذذ ثم زاد في إكرامها فوضع بين يديها أنواعاً متعددة من الملذات (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)، (الإسراء 70)، وثمار الفاكهة تأتي في مقدمة الطيبات التي تتحدث عنها الآية الكريمة.

وما أود التركيز عليه هنا ، هو ذلك التقدير الإلهي الذي جعل من الإنسان كائنا حيا يمتاز عن كل الكائنات الحية الأخرى بقدرته على التذوق.

فلأن الله تبارك وتعالى أراد لهذا المخلوق أن يكون خليفته في الأرض فقد وهبه من الصفات والقدرات ما لم يؤت أحدا من خلقه ومنها القدرة على التمتع بما يتناول من مواد غذائية مختلفة وذلك عبر ما وضع في فمه ولسانه من خلايا وأنسجة قادرة على إيصال الإحساس بشتى الطعوم والنكهات إلى المخ الذي أهله سبحانه هو الآخر ليفسر تلك الإشارات فيشعر المرء بالمتعة والتلذذ، ومن هنا نستحضر الآية الكريمة (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إذا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الانعام141) وأكله يعني ثماره، ثم من كرمه سبحانه أن الناس مع اختلافهم في أذواقهم فقد هيأ لكل ما يناسب ذوقه.

ومن كرمه تعالى أيضاً أنه علم الإنسان كيف تتوارث الصفات الأكلية للثمار كاللون والطعم والنكهة والقوام وغيرها.. فالتعليم نوع من أنواع الكرم الإلهي بنص الآية الكريمة (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق3-5).

لقد علمه الله تعالى مبادئ علم الوراثة فإذا به يحصل على أشجار تنتج ثمارا متنوعة كثيرة تغص بها الأسواق.

ثم من كرمه تعالى أن جعل الصفات الخاصة بالثمرة قابلة للتطوير والتغيير وذلك عبر ما أهل به سبحانه وتعالى الجينات الوراثية المسؤولة عنها من صفات تسهل على الإنسان الحصول على الصفات التي يرغبها فمكنه ذلك من إنتاج ثمار بصفات عالية الجودة مرغوبة الصفات.

ثم من كرمه تعالى وقدرته المطلقة أن جعل تلك الثمار بمجرد عقدها تصبح مجمعا وجاذبا للمواد الغذائية التي يصنعها النبات كالسكريات بأنواعها والفيتأمينات والأملاح والعناصر الغذائية..فإذا بتلك الثمار تصبح كتلا من مواد نافعة لجسم الإنسان ولقد أصبحت تلك الحقيقة العلمية قاعدة من قواعد علم فسلجة الثمار.

أيمكن أن يكون كل ذلك عبثا؟ تعالى الله عما يصفون!! بل هو العكس من ذلك تماما.. إنه تقدير إلهي في غاية الإتقان لكي يجعل من تلك الثمار مادة يتفكه بها الإنسان ويغذي بها جسمه.

وتأمل معي نوعاً آخر من الكرم الإلهي الذي خص به بني آدم.

إنه تمييز الألوان وتذوقها وذلك للإنسان وحده دون سواه ولذلك يذكرنا الله تبارك وتعالى بمنته تلك بعدد من النصوص الكريمة منها (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا)(فاطر27) فلك في ألوان الثمار متعة إضافية.. الم يقل تبارك وتعالى عن الجنة:(وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ)(الزخرف 71-72).

فمن كرمه تعالى أن أودع في النبات تلك الوحدات الوراثية المتناهية في دقة أدائها فإذا به ينتج الثمار بهذه الأشكال والألوان الجميلة فالعين تتلذذ بها قبل أن يتناولها الإنسان.

وهكذا فمن المعاني التي تنضح بها الآية الكريمة أن النفس البشرية مجبولة على التمتع بتناول الفاكهة والتلذذ بها شكلا ولونا وطعما ونكهة.

والآن إذا كان لون الثمرة كرما إلهيا فقد أثبت العلم اليوم أن الصبغ المسؤولة عن ألوان الثمار في محاصيل الفاكهة كصبغة الأنثوسيانين المسؤولة عن اللون الأحمر، وصبغة الكاروتين (المسؤولة عن اللون الأصفر) تعتبر مركبات كيماوية غاية في الأهمية الصحية للإنسان.

إنها تعمل كمضادات للأكسدة (Antioxidants) بجانب الكثير من المركبات الكيماوية الأخرى الموجودة في الثمار وهذه المركبات تؤدي دورا مهما في تخلص الجسم من المركبات السامة في جسم الإنسان.

أليس هذا كرما من نوع آخر؟

كل ذلك يأتي انسجاماً مع الآية الكريمة(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل18).

فأي كرم بعد هذا الكرم الراقي الذي يهمس في أذن الإنسان: ها أنت قد خلقك الله تعالى ذواقا فليس من الذوق أن لا تقابل كرمه بعمل صالح يرضيه.