قال الشيخ: ما زلنا مع النورسي في نافذته السادسة على الإيمان وبين يدي قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)، يقول النورسي.
كما أن التحولات المنتظمة في الأرض والمشاهدة في المواسم لحصول منافع عظيمة ومصالح شتى إنما تدل دلالة واضحة على ذلكم القدير ذي الجلال وتشهد على وحدانيته وربوبيته الكاملة (النوافذ 12). إن مشكلة الإنسان المعاصر أنه يتعامل مع الظواهر الكونية كمن دخل إلى برج عال هو من آيات الجمال المعماري الهندسي فقيل له إن هذا البرج قد اعتمد في بنائه على قياسات ومعادلات وخصائص معينة لمواد البناء فإذا به يستنتج أن من بنى هذا الصرح هو رجل عادي أو أقل من العادي مادامت هناك طريقة يمكن أن تفهم لبناء الصرح أو مثله.
المعجزات المبدعة
ففهم كيفية عمل الشيء أو قانونه لا يلغي سحره لاسيما إن كان فريداً ولم يسبق بمثله، وعلى هذا فإن فهم قوانين حركة الأفلاك لا يعني أنها ليست معجزة تبهر الأبصار بل العكس تماماً، إن معرفة قوانين تنظيم حركة الأجرام الكبيرة بدقة وإتقان مذهلين يزيد السحر والاندهاش ويوقف الإنسان أمام قدرة الله التي لا تحد، وقل مثل ذلك بالنسبة لكل مخلوق وجد دون شبيه أو نموذج سابق، وهو أي من آيات الجمال والجلال والمنفعة من حيوان ونبات وأفلاك وغيرها، لقد أدت الألفة بنا إلى نوع من العمى والصمم حتى بتنا نمر كل يوم وكل ساعة على معجزات مذهلات ثم لا نشعر بأكثر من العادي الذي لا يثير انتباها ولا يستدعي تأملاً.
وما زلت أذكر مجلساً كنا نتحدث فيه عن الإعجاز، فإذا بالمضيف يتناول من أهله طبقا عليه أصناف مختلفة من أطايب الفواكه ويضعه أمامنا فما كان من أحد الحاضرين إلا أن لفت الأنظار إلى أننا أمام أصناف من المعجزات المبدعة من قبل رب كريم، فالجمال والطعم الطيب والفائدة للأجسام والماء الذي يروي العروق والتنوع كل ذلك في طبق واحد وقد أوجده الله سبحانه وتعالى دون نموذج ولا مواد أولية أي أنشأها إنشاء من لا شيء، ونحن ضيوفه سبحانه وتعالى دون استحقاق إلا كرمه، وقد خيم على مجلسنا يومها خشوع الدهشة أمام هذا الإعجاز الرباني الكريم. وأعود إلى اختلاف الليل والنهار وما فيه من مصالح ومنافع للإنسان والحيوان والنبات، ولنتصور ليلا سرمدا أو نهارا سرمدا ما الذي يمكن أن يجرانه من توقف وامتناع كثير من المصالح التي قد لا تعد،
الارض والشمس
وأنقل عن الغزالي رحمه الله بعضاً من هذه المصالح من كتابه الرائع (الحكمة من مخلوقات الله) وإن كان العلم المعاصر قد جلى كثيراً مما لم يكن واضحاً أيامه، فالسعي في المعاش والحركة مع الضوء والنهار، بل الانتفاع بالإبصار ومطالعة الألوان، وانتعاش الصباح ونشاط الظهيرة وهدوء المساء وسكون الليل، واستقامة أمر النبات والحيوان، ومعرفة المواقيت، وتجدد الهواء... إلى آخر ما يمكن ذكره في هذا الباب وهو كثير. فاذا علمنا أن هذه المصالح إنما تأتي من حركة جرمين كبيرين (الأرض والشمس) فيهما كل آيات الإبهار والإعجاز، تجلى ذو الجلال لنا مع قدرته على الخلق والإبداع، والتسيير بدقة وانتظام، والحفظ من الفوضى أو الميلان، وظهرت معالم الربوبية الحافظة المنعمة، وظهرت وحدانيته المطلقة.
حيث لا ند ولا شريك. والآن لنرجع إلى الصدفة هل يمكن أن تكون وراء هذا الخلق البديع، وهذا النظام الذي لا يتخلف، ثم لنفترض أنه كان!! هل يمكن أن تؤدي صدفة من هذا النوع إلى كل هذه المصالح والمنافع لدى كل هذه الكائنات وكلها قد وجدت من صدف أخرى وفي سياقات أخرى؟
