عن معاذ بن جبل ــ رضي الله عنه ــ قال: «أتى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ رجلٌ فقال: يا رسول الله: علمني عملاً؛ إذا أنا عملته دخلت الجنة؛ فقال: لا تشرك بالله شيئاً ــ إن عُذِّبتَ وَحُرّقْتَ ــ أطع والديك ــ وإن أخرجاك من مالك، ومن كل شيء هو لك؛ لا تترك الصلاة متعمداً؛ فإنَّ من ترك الصلاة متعمِّداً، فقد برئت منه ذِمَّةُ الله» رواه الطبراني في الأوسط.
فلاح
هذا الحديث الشريف: من الأحاديث النبوية التي تعد وصايا غالية؛ أوصى بها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أصحابه؛ وقد أوجز فيها الأعمال التي تؤدي بمن يتمسك بها إلى السير في الطريق المستقيم الموصل إلى جنات النعيم؛ وهو وإن كان جواباً لطلب من أحد الصحابة ــ رضوان الله عليهم -، فإنه موجه إلى كل من سمعه من الصحابة أو من يسمعه من بعده إلى أن تقوم الساعة؛ ففيه نهىٌ عن الشرك بالله تعالى؛ وهذا أساس الدخول في الإسلام؛ وفيه نهى عن ترك الصلاة عمداً؛ وهذا أساس آخر للحيلولة بين المسلم وبين الكفر؛ وبين النهيين أمرٌ بطاعة الوالدين؛ لأن طاعة الوالدين دليلٌ على صحة الإيمان بالله تعالى وإخلاص العبادة له؛ بل إنَّ طاعة الوالدين من طاعة الله تعالى؛ فقد قال سبحانه: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا» ومن الإحسان إليهما: أن نطيعهما. فقد أمر سبحانه بعبادته، وبالإحسان إلى الوالدين؛ ونهى بينهما عن الشرك بالله تعالى.
وفى الحديث الشريف من اللطائف البلاغية ما يلي:
1 ــ أسلوب النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في هذا الحديث الشريف: أسلوبٌ إنشائي طلبي غرضه البلاغي هو: النصح والإرشاد والتوجيه.
2 ــ جاءت نصائح الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ في عبارات ثلاث قوية التعبير، محكمة النسج؛ متينة التركيب؛ بل إنها تعد من النمط العالي من النظم.
فالنهر عن الشرك في العبارة الأولى مرتبط بالجملة الحالية بعده (وَإِنْ عُذِّبْتَ وحُرِّقْتَ) ارتباطاً قوياً بل إن الجملة الحالية هي الأخرى قد تضمنت نهياً آخر مؤكداً للأول؛ إذ المعنى: وإن عذبت وحرقت فلا تشرك بالله تعالى.
والأمر بطاعة الوالدين في العبارة الثانية هو الآخر مرتبط بالجملة الحالية بعده: (وإن أخرجاك من مالك) ارتباطاً قوياً، بل إن الجملة الحالية قد تضمنت أمراً آخر مؤكداً للأمر الأول؛ أي: وإن أخرجاك من مالك فأطعهما.
والنهى عن ترك الصلاة عمداً في العبارة الثالثة مرتبط كذلك ارتباطاً وثيقاً بالجملة الخبرية بعده بفاء السببية؛ حيث جاءت جملة: (فإن ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله) سبباً للنهى عن ترك الصلاة عمداً.
فرض
ويلاحظ: أن طاعة الوالدين قد جاءت بصيغة الأمر: (أطع والديك) بينما جاء كل من توحيد الله تعالى والحفاظ على الصلاة بصيغة النهى: (لا تشرك بالله تعالى)، (لا تترك الصلاة) وهذا دليل على أن طاعة الوالدين فرض كالصوم والصلاة والزكاة والحج؛ لأنها وردت بصيغة الأمر في الحديث الشريف وورد الإحسان إليهما بصيغة الأمر في القرآن الكريم.
3 ــ الفصل والوصل، وإنما فصل بين جمل (لا تشرك)، (أطع والديك)، (لا تترك الصلاة) لأنها جاءت نصائح متوالية، كل منها مستقل بنفسة، وأما الفاء في قوله: (فإن من ترك الصلاة) فهي فاء السببية وهى بمنزلة لام التعليل؛ أي: لأن من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله؛ فما بعدها علة لما قبلها؛ وأما الفاء في قوله: (فقد برئت منه ذمة الله) فهي الواقعة في جواب الشرط (من ترك الصلاة) وقد ربطت الشرط بالجواب؛ فكان هذا الربط سبباً في قوة العبارة.
4 ــ الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: (وإن أخرجاك من مالك)؛ فقد شبه الإبعاد عن المال بالإخراج من البيت ونحوه بجامع الإبعاد في كل منهما، ثم اشتق من الإخراج بمعنى الإبعاد أخرج بمعنى أبعد على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية في الفعل.
وفى هذا التعبير إيحاء بأن المال يستر صاحبه كما يستر البيت أو الثوب ونحوهما.
5 ــ السر في التعبير عن المستقبل بصيغة الماضي في قوله: (فإن من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله) ولم يقل: (فإن من يترك الصلاة تبرأ منه ذمة الله) هو النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يصور لنا ما سيحدث يوم القيامة بصورة الذى قد حدث فعلاً؛ أي: من يكون قد ترك الصلاة يكون قد برئت منه ذمة الله.
6 ــ الكناية في قوله: (فقد برئت منه ذمة الله) فهذا القول كناية عن غضب الله تعالى على من ترك الصلاة متعمداً، وطرده من رحمته؛ وسر بلاغة الكناية هو إيراد المعنى ــ وهو هنا: غضب الله تعالى على تارك الصلاة عمداً وطرده من رحمته ــ مصحوباً بالدليل ــ وهو هنا أن الله تعالى قد برئت منه ذمته -.
