قال الشيخ :نحن مع الشيخ سعيد النورسي في نوافذه على الإيمان وقد أرادها محاورة للعقول ومناجية للقلوب، وفيما أسماه بالنافذة السادسة نافذة الأصوات الدالة يبدأ الشيخ بالآية الكريمة: (ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).

 

صانع حكيم

يقول النورسي: ان جميع عوالم الكون علويها وسفليها تدل بألسنة مختلفة على نتيجة واحدة، أي على ربوبية صانع حكيم واحد (النوافذ12).

الصنع أو الخلق المبدع، الربوبية أو الرعاية والحفظ، الحكمة في تسيير أمور الخلق، الفردانية أو الوحدانية المطلقة للخالق والمدبر، أربعة معان تنطق بها هذه العوالم المختلفة.

فالقول بقدم العالم وأزليته لم يعد مقبولا اليوم، ومادام للكون بدء وما دامت أموره قد سارت نحو غايات عظمى في وقت قياسي لم يظهر فيه أثر للخطأ أو المحاولة أو التجارب الفاشلة فمما لا شك فيه أن له خالق ومسير ومدبر حكيم، ولما لم تظهر فيه يوما آثار الفوضى أو الاختلاف فمما لا شك فيه أن مدبر أموره واحد لا شريك له.

يقول النورسي :ان جريان الأجرام في السماوات بمنتهى النظام لبلوغ غايات جليلة ونتائج سامية بتقرير علم الفلك نفسه انما يدل على وجود اله قدير ذي جلال ويشهد على وحدانيته وربوبيته الكاملة (النوافذ 12).

فعظم الآفاق في الفضاء الذي نعرف دليل القدرة والجلال، وانتظام حركات الأجرام دليل القدرة والوحدانية، وبلوغ كل هذا غايات الاستقرار والجمال في الكون والأرض جزء منه دليل القدرة والربوبية.

 

لغة العلم

والآن ماهي الصورة التي يمكن أن تكون بديلا؟ كون قديم؟ لقد صار واضحا أن للكون لحظة بدأ بها ولم يكن قبله شيئا، وهذا بلغة العلم، لا الفلسفة ولا الدين، والزمن بين لحظة البدء ويومنا هذا كان مليئا بالحكمة، بالنظام في كل شيء، بالتغيرات الموجهة ذات المعنى، لا توجد أكوان أخرى ظهرت ثم فشلت في البقاء، وفي كوننا نفسه لا يوجد ضحايا لفوضى أو خطأ أو فشل، اذن فلابد من وجود خالق مدبر ورب حكيم لهذا الكون ولهذه الأجرام، والا فاننا مضطرون الى نسبة كل هذه الحكمة للكون نفسه وللطبيعة نفسها.

وهنا يسأل عن التناسق في حركة الأجرام والتساوق والتكامل في وظائف وأدوار كل شيء، اذ أن هذا لا يمكن أن ينجم عن ذكاءات متفرقة وعقول متعددة، فالكون كله يتصرف بشكل ينبئ عن حكمة عامة شاملة تغطي كل شيء، وتقدر على كل شيء، وتسير حركة كل شيء، فان وصلنا الى هذا كان من السفاهة أن نسمي صاحب هذه القدرة الشاملة والحكمة العامة طبيعة أو كونا ولا نسميه الها.

 

عظمة الخالق

الحق سبحانه وتعالى أقسم في القرآن الكريم بمواقع النجوم، ثم عقب.. وانه لقسم لو تعلمون عظيم، نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين ندرك عظمة هذا القسم لعظم المقسم به، فالكون وما فيه من مجرات وعوالم لا يكاد العقل يستطيع الاحاطة به أو ادراك أبعاده، وكل هذا كان له لحظة بدء بإقرار أهل العلم، وهو يسير بانتظام حتى أن ما يمكن أن يتوقع من حوادث نتيجة الصدف أو الخطأ لم يرى ولا مرة واحدة، والأمر ليس سهلا تصوره لأن هذا الانتظام .

وهذا التناسق قائم على معادلات دقيقة وأرقام هي في منتهى الحساسية، اليس في كل هذا صوتا يدل على عظمة خالق قادر مبدع حكيم؟! ثم ان في هذا الانتظام رعاية كريمة لكل المخلوقات في الأرض والسماء، حيث تقوم حياة هذه المخلوقات وقضاؤها حاجاتها وحفظها على هذه المعادلات مما يعتبر صوتا دالا على ربوبية رحيمة وكريمة لا يمكن نسبتها الا لاله واحد سبحانه وتعالى.