ذكر السيوطي رحمه الله عن بعض الأقدمين أن القرآن أنزل على ثلاثين نحواً كل نحو منه غير صاحبه فمن عرف وجوها ثم تكلم في الدين أصاب ووفق ومن لم يعرفها وتكلم في الدين كان الخطأ إليه أقرب...» والسبب والإضمار مثل «واسأل القرية» أي أهل القرية. والخاص والعام مثل «يا أيها النبي» فهذا في المسموع خاص إذا طلقتم النساء فصار في المعنى عاماً. والأمر وما بعده إلى الاستفهام واضحة».
ونقل عن ابن القيم تأمل خطاب القرآن تجد ملكاً له الملك وله الحمد كله أزمة كلها بيده ومصدرها منه وموردها إليه مستوياً على العرض لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته عالماً بما في نفوس عبيده مطلعاً على أسرارهم وعلانيتهم.
«وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً جواداً رحيماً جميلاً هذا شأنه فكيف لا تحبه وتتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه مرضاة وآثر عندها من رضا كل من سواه. وكيف لا تلهج بذكره وتصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها بحيث فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها».
وللمخاطبة في القرآن وجوه متعددة شغلت بال الأعلام فغاصوا في كتاب الله تعالى يستخرجون هذه النماذج من أوجه الخطابة.
تعرض لها ابن الجوزي في كتابه «النفيس» فذكر أن الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجهاً. وذهب غيره إلى أن الخطاب أكثر من ثلاثين وجهاً.
أولاً: خطاب العام ويراد به العموم نحو قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلك من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون)
ثانياً: خطاب الخاص ويراد به الخصوص نحو قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأماً الذين أسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون).ووجه الخصوص في أهل البدع والضلال الذين ستكون وجوههم مسودة يوم الدين فضلاً عن كل من كفر بالله تعالى وضل في حياته.
ومن هذا القبيل الخطاب في قوله تعالى: (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين). فالمخاطب في قوله سبحانه: (يا أيها الرسول) هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ولا يراد به غيره من الأنبياء والرسل عليهم السلام.
ثالثا: خطاب العام ويراد به الخصوص كالخطاب في قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا).
فالمخاطب عام وهو كل الناس قد خوطبوا بالتكليف (التقوى) فالصيغة عامة مع أن المراد لا يشمل العموم بل الخصوص يراد وذلك لخروج فئات من الناس عن خطاب التكليف مثل الأطفال والمجانين وغيرهم.
رابعاً: خطاب الخاص ويراد به العموم كالخطاب في قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) فصيغة الخطاب خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الأمة في من ملك منها الطلاق.
خامساً: خطاب النوع كالخطاب في قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون).
فلا يخفى أن الخطاب ورد بصيغة المخاطبة لفئة معينة من الناس وهي بنو إسرائيل.
سادساً: خطاب العين كالخطاب في قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) هذا القبيل في الخطاب في قوله تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) والخطاب في قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين).
والخطاب في قوله تعالى: (وألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون).
والخطاب في قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون).
ولم يقع في القرآن الخطاب «بيا محمد» بل يا أيها النبي يا ايها الرسول تعظيماً له وتشريفاً وتخصيصاً بذلك عما سواه وتعليماً للمؤمنين أن لا ينادوه باسمه.
سابعاً: خطاب الذم كالخطاب في قوله تعلى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون).
فهذا خطاب يقال للكفار عند إدخالهم النار تأييساً لهم وقطعاً لأطماعهم.
ثامناً: خطاب الإهانة كالخطاب الموجه لإبليس عند مخالفته لأمر الله تعالى والحكم عليه بالطرد من الجنة قال تعالى: (قال فأخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين). ومن هذا القبيل خطابه سبحانه لأهل النار عند دخولها: (قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون).
تاسعاً: خطاب التهكم كالخطاب في قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) فإنه يقال للملائكة الذين هم خزنة جهنم: خذوا هذا الأثيم بعنف إلى سواء الجحيم وقوموا بتعذيبه حال كونكم صابين فوق رأسه العذاب الحار ثم قولوا له تهكماً وتوبيخاً ذق العذاب إنك أنت العزيز الكريم وقيل إن ابا جهل كان يزعم أنه أعز أهل الوادي وأكرمهم فيقولون له: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك وفيما كنت تقوله.
واقرأ قوله تعالى: (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الجحيم ذق إنك العزيز الكريم ان هذا ما كنتم به تمترون).
عاشراً: خطاب الجمع بلفظ الواحد كالخطاب في قوله تعالى: (يا أيها الإنسان ماغرك بربك الكريم) مع أن صيغة الخطاب وردت بالإنسان الذي هو لفظ مفرد إلا أن المراد الجمع.. فقد يراد كفار مكة أو غيرهم والأولى الإطلاق في كل من كذب بالدين من كفار مكة وغيرهم. هذا ما يدل عليه قوله سبحانه فيما بعد: (كلا بل تكذبون بالدين).
الحادي عشر: خطاب الواحد بلفظ الجمع كالخطاب في قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم فى غمرتهم حتى حين). فالخطاب ورد بصيغة الجمع «يا أيها الرسل» وهي باعتبار القالب اللغوي تشمل كل الرسل مع أن المخاطب في هذه الآية هو الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وما يدل على هذا كونه صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده وتعقيب الخطاب «فذرهم» يدل على هذه الخصيصة الانفرادية إذ التوجيه له عليه الصلاة والسلام بأن يدع الكفار في جهلهم فهم ليسوا أهلاً للهداية وأن العذاب واقع بهم في أوانه فضلاً عما يشير إلى الكفار من تهديد بهذا الخطاب.
وقد وعد من هذا القبيل الخطاب في قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين).
