قال تعالى: « قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون « الملك 23 وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِى بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ ».
لقد من الله سبحانه وتعالى علينا بنعم كثيرة ظاهرة وباطنة لا تعد ولا تحصى، ومن أعظم هذه النعم نعمة البصر التي عن طريقها يطلع الإنسان على عظمة الواحد الأحد في خلقه فإذا استخدمها العبد في طاعة الله عز وجل نال الأجر والثواب ورضا الله عز وجل، أما إذا استخدمها في معصية الله والعياذ بالله، فإنها تكون سبباً للحسرة والندامة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فاستخدام هذه النعمة العظيمة فيما حرم الله يوقع في فتنة، ويفتح باب كل شهوة، فالنظرة سهم مسموم من سهام إبليس فعن طريقها تضعف العزائم وتكثر الفاحشة وينتشر الزنا وبسبب النظر ضاع كثير من العباد، والزهاد، والطائعين، وكم وقع بسببه أناس في الزنا والفاحشة ما ظهر منها وما بطن أعاذنا الله جميعنا.
والعين مرآةُ القلب، فإذا غضَّ الإنسان بصرَه غضَّ القلب شهوتَه وإرادتَه، واستراحت الحواس وهدأت وقامت بواجباتها التي من اجلها خلقها البارئ عز وجل، بينما إذا أطلق الإنسان بصره أطلق القلب شهوته مما يؤدي في النهاية إلى الوقوع في الهوى والخطيئة التي من شأنها أن تجلب العار وتغذي الرذيلة وتعمل على نشرها حتى تموت الشهامة وتنهار المروءة فتتفشى الموبقات وتنتشر الأمراض ويبتعد القوم عن ذكر الله عز وجل في مجالسهم ويحل محله الحديث حول الغانيات والصرعات التي تدعو إلى العري والابتذال.
من أجل هذا كله جاءَ الأمرُ الإلهيُّ للمؤمنين والمؤمناتِ كافةً بغضِ البصرِ وحفظِه، قال الله سبحانه وتعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) [النور: 30-31].
نجد هنا في هاتين الآيتين الكريمتين أن الله عز وجل أمرنا بغض البصر، وقدَّم الأمر به على حفظ الفرج لأنه بداية الزنا، فإن كل الموبقات تبتدي بالنظر، فالبداية تكون نظرة، ثم خطرة ثم التحدث بالدلال والميوعة، ثم الخطيئة، لذلك نرى أن النظرة المسمومة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة قوية، فيقع الفعل، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لِعَلِىٍّ، رضي الله عنه «يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ ».
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: «العينان تزنيان، وزناهما النظر».