(والْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)..سورة مكيّة غاية في إيجاز اللفظ (ثلاث آيات) وفي غاية الشمول من حيث المعنى.
أقسم الله جل جلاله بمطلق الزمن: العصر، للإنسان الذي هو في حقيقته، زمن، فهو بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، وما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي يا ابن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
لقد أقسم الله بالزمن، للإنسان، أنه في خسر بمعنى أن مضي الزمن وحده، يستهلك عمر الإنسان، الذي هو رأس ماله، ووعاء عمله الصالح، الذي هو ثمن الجنة التي وعد بها.
وهل الخسارة في العرف التجاري، إلا تضييع رأس المال من دون تحقيق الربح المطلوب، لكن الإنسان إذا استثمر الوقت فيما خلق له، يستطيع أن يتلافى هذه الخسارة، وذلك بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
«إلا الذين آمنوا ...الإيمان هو اتصال هذا الكائن الإنساني، الصغير، الضعيف الفاني، المحدود، بالأصل المطلق الأزلي الباقي، الذي صدر عنه هذا الوجود وعندئذٍ ينطلق هذا الإنسان من حدود ذاته الصغيرة، إلى رحابة الكون الكبير، ومن حدود قوته الهزلية، إلى عظمة الطاقات الكونية المخبوءة، ومن حدود عمره القصير، إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله، هذا الاتصال فضلاً على أنه يمنح الإنسان القوة، والامتداد والانطلاق، فإنه يمنحه السعادة الحقيقية التي يلهث وراءها الإنسان وهي سعادة رفيعة، وفرح نفيس، وأُنس بالحياة، كأنس الحبيب لحبيبه وهو كسب لا يعدله كسب، وفقدانه خسران لا يعدله خسران، وعبادة إله واحد يرفع الإنسان عن العبودية لسواه، فلا يذل لأحد، ولا يحني رأسه لغير الواحد القهار، فليس هناك إلا قوة واحدة، ومعبودٌ واحد وعندئذ تنتفي من حياة الإنسان المصلحة، والهوى، ليحل محلها الشريعة والعدل والاعتقاد بكرامة الإنسان وهو من لوازم الإيمان، فالاعتقاد بكرامة الإنسان عند الله يرفع من قيمته في نظر نفسه، ويثير في نفسه الحياء، من التدني عن المرتبة التي رفعه الله إليها.
«وعملوا الصالحات»، ولأن الإيمان حقيقة إيجابية متحركة كان العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، فما إن تستقر حقيقة الإيمان في ضمير المؤمن حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها، في صورة عمل صالح، فلا يمكن أن يظل الإيمان في نفس المؤمن خامداً لا يتحرك، كامناً لا يتبدى، فإن لم يتحرك الإيمان هذه الحركة الطبيعية ؛ فهو مزيف، أو ميت، شأنه شأن الزهرة ينبعث أريجها منها، انبعاثاً طبيعياً، فإن لم ينبعث منها أريج، فهو غير موجود، والزهرة غير طبيعية.
والعمل الصالح ليس فلتةً عارضة، ولا نزوةً طارئة، ولا حادثةً منقطعة، إنما ينبعث عن دوافع، ويتجه إلى هدف، ويتعاون عليه المؤمنون. فالإيمان ليس انكماشاً، ولا سلبيةً، ولا انزواءً، ولا تقوقعاً بل هو حركةٌ خيرةٌ، نظيفة، وعمل إيجابي، هادف، وإعمار متوازنٌ للأرض، وبناء شامخ للأجيال، يتجه إلى الله، ويليق بمنهج يصدر عن الله.
«وتواصوا بالحق»، ولأن النهوض بالحق عسير، والمعوقات كثيرة، والصوارف عديدة، فهناك هوى النفس، ومنطق المصلحة وظروف البيئة، وضغوط العمل، والتقاليد، والعادات، والحرص والطمع، عندئذٍ يأتي «التواصي بالحق»، ليكون مذكراً، ومشجعاً ومحصناً للمؤمن الذي يجد أخوه معه يوصيه، ويشجعه، ويقف معه ويحرص على سلامته، وسعادته، ولا يخذله، ولا يسلبه، وفضلاً عن ذلك، فإن «التواصي بالحق» ينقي الاتجاهات الفردية ويوقيها، فالحق لا يستقر، ولا يستمر إلا في مجتمع مؤمن، متواص، متعاونٍ، متكافل، متضامن.
فالمرء بالإيمان، والعمل الصالح يكمل نفسه، وبالتواصي بالحق يكمل غيره، وبما أن كيان الأمة مبني على الدين الحق الذي جاءنا بالنقل الصحيح، وأكده العقل، وأقره الواقع، وتطابق مع الفطرة، فلابد من أن يستمر هذا الحق ويستقر، حتى تشعر الأمة بكيانها، ورسالتها، فالتواصي بالحق، قضية مصيرية فما لم تتنام دوائر الحق في الأرض، تنامت دوائر الباطل وحاصرته، فالتواصي بالحق: يعني الحفاظ على وجوده، والأداء لرسالته.
و الصبر يعرف على انه (حبس النفس عما لا ينبغي فعله)..صبر على طاعة الله وصبر على محارم الله وصبر على أقدار الله...
مغزى القسم
ترتبط العبادة في الإسلام بالزمن أكثر من غيره، فالصلاة والزكاة والصوم والحج، كلها مرتبطة بالزمن ومحددة به، والقسم بالعصر في السورة يدل على عناية الإسلام بالوقت أو الزمن.. كما إن الدور الزمني للأفراد هو اكبر من دورهم التاريخي، فالدراسة التاريخية تُحيط بفترتهم التي عاشوها واثروا فيها، في حين إن دراسة دورهم في حركة الزمن تمتد بامتداد الفترات التي استمر فيها التأثير، وظل فيها دور البطل (الفرد) حيا في مجال اختصاصه ودائرة تأثيره أو في الواقع الإنساني بشكل عام.
إن التحول الجوهري والانقلاب الشامل الذي أحدثه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في مجتمع الجزيرة خلال ثلاث وعشرين سنة، كان فترة إعداد لانطلاقة عظمى على سطح هذا الكوكب، فالرسالة الإسلامية حملت عناصر تحفيز واندفاع دائمة متمثلة في نظرتها الجديدة للكون والحياة والإنسان وتشريعها وقوانينها التي تستوعب كل مناحي الحياة الفردية والاجتماعية. بحيث إنها شكلت ضمانة الاستمرار والاندفاع في آفاق الزمن. فالجهاد تكليف دائم ينهض به المسلم دفاعاً عن الإسلام ونشراً لعقيدته وتحريراً لإرادة الإنسان من الظلم والاستبداد، مما جعل القاعدة الإسلامية متوسعة على الدوام، ولها قدرة على التوسع مع امتداد الزمن.
إن دور الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لا يمكن حصره في الثلاث والعشرين سنة التي قضاها في تبليغ الدعوة ونشر الرسالة، ولا يمكن حصرها في الثلاث والستين سنة التي عاشها في الحياة الدنيا، إنما دوره يمتد بامتداد الزمن، وهو لا ينتهي إلاّ بنهاية الحياة وقيام الساعة لان الإسلام هو الرسالة السماوية الخاتمة.
