أكد علماء الإسلام أن رضا الله عز وجل مرهون برضا الوالدين، وقد أوصى الله عز وجل الأبناء برعاية آبائهم وأمهاتهم والإحسان إليهم، وعدم الإساءة إليهم بالقول أو الفعل، ومشيرين إلى أن السنة النبوية جعلت للوالدين منزلة عظيمة وعالية.

ويقول الدكتور رابــح دفــرور إن القيم الاجتماعية التي ترتكز عليها رعاية المسنين في السنة النبوية على جملة من القيم الاجتماعية هي: قيمة التراحم بين المؤمنين وقيمة التكافل والتعاون في المجتمع المسلم، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

وأضاف أن إجلال المسن وإكرامه من القيم الاجتماعية التي نوهت بها السنة النبوية؛ إذ جعلت ذلك من إجلال الله ــ سبحانه ــ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «مـن إجـلال الله تعالى إكـرام ذي الشيـبة المسلـم»، وكيف بهذا الشيخ ذي الشيبة تكون هذه منزلته عند الله وهذا قدره في الإسلام يهان ولا يصان في المجتمع المسلم ولا تراعي له حاجة وهو في سن الضعف والهوان.

وبين الدكتور رابــح دفــرور إن الناظر في توجيهات السنة النبوية يجد أنها جعلت أهم وسائط القيم الحضارية والاجتماعية في مجال رعاية المسنين تتمثل في وسائط ثلاث: الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة حيث اعتبرت السنة النبوية الأسرة الركن الأساس والملاذ الأول لرعاية المسن، وذلك لأنها تمتلك مواصفات لا تمتلكها مؤسسات الإيواء والرعاية الأخرى، فهي توفر للمسن الحب الحقيقي، والعلاقات الحميمة الخالصة، والمشاعر الإنسانية الصادقة، وتحسسه بأنه جزء لا ينفك عنها بحال.

 

الاعتبار اللائق

وقال: لقد جعلت السنة النبوية للوالدين الكبيرين مكانة عالية عند أولادهما، وأمرت بإظهار الاعتبار اللائق لهما، والإحسان إليهما، ونجد النبي، صلى الله عليه وسلم، يقدم هذه القيمة الاجتماعية على ذروة سنام الإسلام التي هي الجهاد في سبيل الله وجعل ذلك جهادا لذاته، فقد جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟، فقال: نعم فقال: ففيهما فجاهد» .

وإحقاقا لهذه القيمة الاجتماعية جعلت السنة النبوية رضا الله على العبد مرهونا برضا الوالدين، وأن عقوق الوالدين كبيرة من الكبائر توجب سخط الله ــ عز وجل. فقد أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، بذلك فقال: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد «.

ويدخل في ذلك النهي عن كل ما من شأنه أن يؤذيهما و يجرح مشاعرهما ويسبب ألما لهما، سواء كان كلمة أو تصرفا فيه تعبير عن التبرم أو التضجر، وأن يغمرهما بالإحسان والدعاء والقول الكريم، مما يدخل سرورا عليهما، ويذهب كآبة قد رسمت على وجهيهما. والأسرة المسلمة التي تولي الوالدين هذه الرعاية وتجسد هذه القيمة الاجتماعية لا يمكن أن تستبدل بدور العجزة والمسنين التي شاعت في الدول الغربية، وتبنتها الدول العربية والإسلامية، ولا يمكن لهذه الأخيرة أن تقدم إلا جزءا يسيرا مما تقدمه الأسرة الواعية لمسؤوليتها تجاه الوالدين من رعاية. وذلك لأن هذه الدور الغربية عن المجتمع المسلم لا تقدم للمسنين إلا حبا وحنانا مصطنعين، كما لا تقوم إلا بخدمات هي موضع امتنان الآخرين عليهم. كما تفقد المسن الوزن الاجتماعي الذي يلقاه في أسرته ويعزز به مكانته. ولهذا فإن السنة النبوية جعلت الأسرة أنسب مكان وأحسن محضن وخير مرتع يمكنه أن يرعى الشيخ المسن إذا كان والدا أو جدا.

وأضاف دفرور: يعتـبر المجتمع المسلم امتدادا للأسرة المسلمة، إذ يضم الأعمام والأخوال وأبناؤهم والجيران والأصحاب والخلان … وهؤلاء جميعا يشكلون وحدة اجتماعية متكاملة متكافلة، يحمل قويهم ضعيفهم، ويساعـد غنيهـم فقيرهم، ويعين موسرهم معسرهم،... حتى لا تبرأ منهم ذمة الله وذمة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وحتى لا تخرم صفة الإيمان فيهم، فقد جاء في الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه».

 

تغير المفاهيم

ويقول الدكتـور مختـار نصـيرة إن حكمة الله تعالى قضت أن تكون الشيخوخة طورا زمنيا حتميا في دورة حياة الإنسان، بل في دورة حياة كل مخلوق، فالإنسان يولد صبيا ضعيفا، ثم يكون شابا قويا، ثم يكون شيخا ضعيفا هرما.

وأوضح أنه في ظل ابتعاد الأفراد والمجتمعات عن هدي القرآن الكريم وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد الإنسانية قد تغيرت مفاهيمها، واضطربت تصوّراتها حول معالجة مشكلات هذه الفئة الضعيفة. وقال إن المجتمعات الغربية ــ ومن سلك طريقهم من أفراد المجتمع الإسلامي ــ إلى وقت قريب، كانت ترى في كبار السنّ مشكلة وعبئا إضافيا عليهم، وليسوا مؤهلين للرعاية والتكريم.

لكن الضغط المتولد بسبب تزايد أعداد المسنّين إلى حد لا يمكن السكوت والتغافل عنه، دفع هؤلاء إلى ضرورة حمايتهم اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا، فوضعوا لذلك جملة من مشاريع قوانين ودراسات علمية للحدّ من إهمالهم وتشريدهم، وذلك بإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم من جديد، أو بإنشاء دُور لإيواء العجزة والمسنّين الذين تطردهم عائلاتهم، أو الذين لا يجدون من يعولهم، ورأوا في ذلك الجو المناسب، والمكان اللائق لتكريمهم وحسن رعايتهم، أو بإنشاء جمعيات تتكفل بانشغالاتهم وتستجيب لمتطلباتهم.

ولم يدر هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رسم لنا في سنّته الشريفة منهجا أخلاقيا واجتماعيا قويما يحفظ لكل فرد حقوقه دون استثناء، ويلزم جميع أفراد المجتمع بأداء ما عليهم من واجبات، لتحفظ بذلك كرامة كل فرد، وتتحقق الرّعاية الكاملة للفئات الضعيفة وخاصة المسنّين في جو أسري واجتماعي.

وقال الدكتـور مختـار نصـيرة إن من القيم الحضارية أيضا حسن رعاية الوالدين وخاصة في حال كبرهما، وتفادي عقوقهما وتعزيز الروابط الأسرية؛ لأنّه ما من شك أن كلّ شيخ كبير أو عجوز هرمة لا يفتأ أن يكون أبا أوأمّا لأحد، فبداية رعاية المسنّين تنطلق من الأبوين باعتبار حقوق الأبوة الواجبة عليهم أولا قبل غيرهم، ولهذا شرعت السنّة ما يضمن حقوق هذه الفئة معنويا وماديا.

فكان الأمر ببرهما، وطاعتهما، ورعايتهما في حياتهما، وتقديمهما في الأعطيات وغيرها، والتحذير من عقوقهما، وذلك لكي يشعر الكبير بالعزة والتكريم والتبجيل في بيته، هذا في حياتهما. أما بعد رحيلهما فالبر والإحسان إليهما يأخذ شكلا آخر، يتمثل في الدعاء وصلة أصدقائهما، ففي الحديث الذي أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أبرّ البرّ صلة الولد أهل ودّ أبيه».

 

البر والتقوى

وأوضح من روائع القيم الحضارية في السنّة، أنها أمرت ببر الوالدين، ولو كانا مشركين مصرّين على الكفر، إذا لم يكونا مقاتلين.