أكد علماء أزهريون أن أخذ الأجرة من قراءة القرآن وتأليف الكتب في العلوم الشرعية وغيرها مشروعة وليس فيها حرمة، وأوضح العلماء أن الفتاوى التي ترى عدم أحقية مؤلفي الكتب الشرعية في تقاضي أجر نظير عملهم باعتبار أنه مشاع للجميع أنها رأي فردي لا يصح الأخذ به ولم يقل به أحد من سلف الأمة.
ويقول الدكتور عبدالفتاح إدريس رئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر والخبير بمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة: إن تأليف العلوم في زماننا لم يعد كسابق العهد في التأليف، وذلك لأننا نعيش عصر التخصص الدقيق والمنهج العلمي البالغ في الدقة والإتقان، والذي اتفقت على منهجيته الجامعات في العالم، وذلك من ناحية استقاء المادة العلمية، وإسناد القول إلى قائله.
فضلاً عن المنهج العلمي البالغ التعقيد الذي يتبع في المقارنات بين مذاهب السلف والمندثرة منها والمشهورة وغيرها والذي يستغرق من باحثه الشهور والسنوات لإخراجه على الوجه الذي يرضى الحق سبحانه وتعالى ولا يترتب عليه تضليل أو فتنة أو تشويه للشرع الإسلامي فإذا أخذ في الاعتبار أن من يقوم بهذا الجهد المضني بشر له متطلباته الحياتية من أكل وشرب ودواء وكساء وسكنى ونفقات وشراء البحوث والكتب وطباعة هذه الكتب التي تضمنت العلم الشرعي وغيره حتى لا يكون كاتمًا لهذا العلم فإنه لابد وأن يحصل في مقابل نشره على عائد يغطي احتباسه لما احتبس له ويغطي تكلفة طباعة ونشره.
وأضاف إدريس قائلاً: إن كثيرًا من العلماء المجيدين لا تدعمهم دولهم ماديًا ولا معنويًا ولا تدعم بحوثهم ولا مؤلفاتهم في الوقت الذي تدعم فيه هذه الدول أنشطة المواخير وحانات الخمور وغيرها من وجوه المنكر في المجتمع، وهم لا يستطيعون نشر هذه المؤلفات التي تفيد الناس في العاجلة والآجلة إلا إذا اقتطعوا من قوتهم الضروري لتحقيق هذا النشر.
وقال إدريس: وإذا كانت هناك قاعدة قال بها بعض الفقهاء (إن من احتبس لمنفعة أحد فإن نفقته تجب على من احتبس له) وإذا كان العلماء الذين أفنوا أعمارهم في تأليف هذا العلم قد احتبسوا طيلة حياتهم لتأليفه وإخراجه للناس فلا أقل من أن يحصلوا على عائد لتغطية نفقات احتباسهم وطباعة هذا العلم ونشره على الكافة. وأشار إلى أن حكام السلف كانوا يزنون كتب العلماء بالذهب ويعطون من قام بتأليفها وزنها دنانير إلا أن حكام زماننا لا تزن هذه المؤلفات عندهم مثقال ذرة لأنها في نظرهم لا قيمة لها مؤكدًا أن هذا يفسر الانحطاط الثقافي والعلماء والتخلف وعدم الرقي بالبحث العلمي وتدنيه إلى أدنى مستوياته وشيوع العلوم لا وزن له وليس له قيمة ولا تساوي مؤلفات في نظر من بيدهم الأمر ثمن المدار الذي كتبت به ولهذا فلا ينبغي أن يقال بأن عالم اليوم ينبغي أن ينشر العلم بدون مقابل .
وذلك لأنه لا يملك من ماديات الحياة ما يحقق به هذا النشر. من جانبه يرى الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر القاهرة أن هذه الفتوى تتنافى مع ما ذكره العلماء وأهل البحث الفقهي من أن الذي يأخذ أجرًا على قراءة القرآن الكريم أو تأليف كتاب في العلم الشرعي يأخذ أجرا على الوقت أما العلم الذي ينشر فيرى كثير من الفقهاء أن الأجرة عليه جائزة شرعًا مؤكدًا أن العلماء كانوا في عصور الخلفاء الراشدين وغيرهم من الأمراء عندما يؤلفون كتبًا أو يهدونها إليهم أو يعلمون بها يقدمون لهم هدايا مالية ضخمة مما يشير على جواز أخذ الأجرة على المؤلفات في العلوم الشرعية وغيرها، فأخذ الأجرة على المؤلفات الشرعية جائز لأنه علم ينتفع به ومطلوب شرعًا أن ننشر هذا العلم بين الناس.
وتابع السايح قائلاً: ونشر العلم سواء عن طريق التأليف أو التدريس يقتضي إعدادًا وبحثًا وتأليفًا ووقتًا وهذا لا شك أن فاعله يأخذ أجره عليه وكثير من الهيئات العلمية والمجامع الفقهية تكلف الباحثين بتأليف كتب وبحوث في الأمور الشرعية والفقهية وتعطيهم أجرًا على ذلك ولم يقل أحد بأن هذا غير جائز.
وفي تعليقه يقول الدكتور عبد الحكم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر ان العلم يعد أنفس شيء في هذه الحياة وقد جعله الله تعالى أساسًا للرفعة في الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} وقد جعل النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ طلب العلم فريضة فقال في حديث صحيح عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم »، أضاف قائلاً: ومن أساسيات طلب العلم إتاحته للناس في الكتب أو في ما يستحدث في مواد الحفظ كالأشرطة والمدمجات بلغة العصر.
وقال الصعيدي إن القول بعدم أحقية مؤلفي الكتب الشرعية في تقاضي أجر مادي نظير بذلهم الجهد في هذه المؤلفات يعد بمثابة دعوة لتجهيل الأمة ويكفيها دحضًا أنه لم يقل بها أحد من سلف الأمة أو خلفها.
