قال الشيخ: القلب السليم الذي ينفع يوم لا ينفع مال ولا بنون هو القلب الموحد العارف بالله عز وجل، والمسألة ليست مجرد قناعة عقلية أو مجرد تقرير لساني، إنما هي حال قلبية ذوقية لا تفارق صاحبها لحظة واحدة مما تجعله لا يشاهد إلا أفعال الله وأسماءه وصفاته وهي تظهر في تصاريف الأقدار، كما انه لا يمكن أن يقارب كبيرة أو يصر على صغيرة تحقيقا لمقام الإحسان: وهو أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فهو يراك- أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالأصل إذن هو ان يصل العبد إلى مرتبة ان يرى الله ليس في ذاته عز وجل وإنما في أفعاله وتجليات صفاته ومراقبته التي لا تنقطع وذلك مرتقى مقدور عليه بدوام الذكر وقراءة القران الكريم وتدبر معانيه والتفكر في أسمائه الحسنى مما يورث في القلب حبا لله وخشية منه ينعكسان أو يفيضان على جوارحه بالطمأنينة والرضى والطاعة والخضوع، فان لم يكن فليذكر ابن ادم ان الله سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا نوم وانه اقرب إليه من حبل الوريد وانه يراه في حركاته وسكناته ويعلم ما في صدره وقلبه وسره والله أولى أن يستحيا منه، وكنت قد ذكرت لكم اننا أمة أكرمها الله عز وجل بأنها امة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم وذكرت لكم ان في هذا شرف عظيم وفرصة كبيرة للفوز برضوان الله مع التخفيف والشفاعة وذكرت أيضا ان الحق سبحانه وتعالى قسم هذه الأمة في كتابه الكريم إلى ثلاث فئات: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات فأما الظالم فهو لا يظلم الا نفسه وهو من يرتكب كبيرة أو يصر على صغيرة، اذ انه يضيع على نفسه اول ما يضيع حلاوة التوحيد القلبي والمعرفة الذوقية والمراقبة الدائمة التي لا تنقطع وفيها من الأنس بالله مالا يقدر على وصفه الواصفون، واعلموا انه قد شاع هذه الأيام الحديث عن المبشرات وعن فضائل الأعمال مما أكرم الله به هذه الأمة، إلا أن هذا لا يعني أن نخوض في الحرام ثم ننتظر الأجور الجزيلة على الأعمال القليلة، وان نرتكب المعاصي ونقول إننا ممن ستدخلهم (لا اله إلا الله) الجنة، فسلعة الله غالية ولا اله إلا الله مقتضيات ولوازم تلزم عنها، ومن أول هذه المقتضيات واللوازم الأدب مع الله والغيرة على دينه والحمية لرفع كلمته، والحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ولعل هذا من صور إعجاز القرآن الكريم وأدلة صدق رسوله صلى الله عليه وسلم لم يمالئ أحدا حتى عندما كان الإسلام ضعيفا، فالله غني عن العالمين، ولن تنفعكم أموالكم ولا أولادكم، ولله ما في السموات والأرض، وهو الغني ونحن الفقراء إليه، من هنا كان الظالم ظالما لنفسه قبل غيره، اذ يكفي انه ما قدر الله حق قدره وما فهم عن الله ان أوامره ونواهيه إنما هي رحمة له ولغيره، بل ان الحق سبحانه وتعالى اشترط على العباد اجتناب الكبائر حتى ينالوا غفرانه ثم انه صحيح ان الرسول ألأعظم صلى الله عليه وسلم قد قرر ان من كان اخر كلامه (لا اله الا الله) دخل الجنة، الا ان هذا يحتاج إلى مراقبة وعمل وحرص يأخذ حجم العمر كله، فمن لم تكن (لا اله الا الله) ديدنه في ليله ونهاره حاضرة في قلبه وفكره وظاهرة اثارها على لسانه وجوارحه لن يوفق للتلفظ بها وهو على أبواب الآخرة نسأل الله التثبيت والسداد.

لقد ثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ان المعاصي تترك في القلب نكتا سوداء حتى اذا غطته ختم عليه، من هنا وجب ان نكون لله وعلى ما يرضي الله حفظا ووقاية لقلب هو موطن استقبال أنوار المعرفة والفهم عن الله ومراقبته عز وجل، اما الأجور العظيمة والكرم الإلهي الذي لا يحد فهي مضمونة بإذن الله ولكن ألا يجب أن نكون ممن يستحقونها.