يــقول الـله تـــــبارك وتعــالى: «وأحسنـــــوا إن الله يحب المحســـنين»، فالإحســــان كما هو لب الإيـــــمان وروحه وكماله وهو أعلى مراتب الدين وغايتها وأعظم أخلاق عباد الله الصالحين وجامع لكــل الأخلاق العالية والصفات الحسنة وأصل العبودية لله ودوران أحوالها على أمرين: تعظيم قدرة الله تبارك وتعالى والإحســــان إلى خلق الله بالقول والفعل.
وفي الواقـــــعة التي رويت في الصـــــحاح أن جبريل عليه السلام عندما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله ضمن عن الإسلام ثم سأله عن الإيمان ثم سأله عن الإحسان فقال صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» إن الإحسان صفة الله وهو المحسن المجمل، والإحسان الذي به سمى العبد محسناً أن يعبد الله كأنه يراه أي يعبده على المشاهدة والإحسان هو كمال الحضور مع الله عز وجل ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه، والإخلاص له.
وأن يعلم العبد على الدوام ويتيقن باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين: هي «المراقبة» وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أي فإن لم تحسن فهو المحسن.
فالمحــــــسنون هم الذين يؤدون العبادة على وجهها الأكمل أداء خالياً من الرياء ويتقنونها ويخلصون فيها ويراقبون ربهم تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك ويستحضرون عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار. ويغلب عليهم مشاهدة الحق بقلوبهم فكأنهم يرونه أو يستحضرون أن الحق مطلع عليهم يرى كل ما يعملون.
والإحسان يدخل فيه الإسلام والإيمان والمحسن لا يكون محسناً إلا إذا كان مسلماً مؤمناً فالمحسنون هم المسلمون الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت إن استطاعوا إليه سبيلاً.
والمحسنون هم المؤمنون الذين يؤمنون بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والميزان والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره.
والمحسنون هم الذين يحسنون في أعمالهم بامتثال الطاعات ويخلصون لله العمل وينقادون لأمره ويتبعون شرعه وينتهون عما نهى عنه وزجره ويتبعون في أعمالهم ما شرعه الله لهم وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ويعدلون إذا حكموا ويحسنوا القول إذا قالوا.
والذين ينفقون في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم ويحسنون الظن بالله في إخلافه عليهم وينفقون في السراء والضراء في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض وفى جميع الأحوال ولا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه والإحسان إلى خلقه من قرباتهم وغيرهم بأنواع البر.
وهم الذين يكظمون الغيظ فإذا ثار بهم الغيظ يكتموه فلا يعملوه ولا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنه شرهم ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل. والعافين عن الناس فمع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد.