من الأوامر الإلهية الخالدة التي تحمل صفة الإعجاز القرآني في ترتيب البيت المسلم وإصلاح ذات البين وتدعيم الأسرة بروابط المودة والإحسان ووشائج الرحمة والمعروف قوله تعالى : (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء:19.

وفي القرآن الكريم نجد المئات من الآيات التي اهتمت بمعالجة شؤون المرأة وناقشت الأسس التي ارساها القرآن لتعامل الرجل مع المرأة ومناصرته لها، ودفاعه عن حقوقها.. المدهش أنّ المعروف الذي دعا إليه القرآن.. وهو أساس التعامل البشري.. جاء في ثمان وثلاثين آية: تسع عشرة منها خاصة بالتعامل بالمعروف مع المرأة، وتسع عشرة منها عامة تخص الرجل والمرأة كما تحمل هذه المنظومة من الآيات تشكيلة فكرية متكاملة عن موقع المرأة في المجتمع إذ هو موقع الحب والودّ والاحترام، والمعروف والإحسان. هذه المنظومة تكشف الجانب الاعجازي من القرآن، وهو من الاعجاز العددي.. إذ وردت ثمان وثلاثون آية، تسع عشرة منها تخص المرأة.. مما يدل على الاهتمام المتساوي بالمرأة مع الرجل..

إنّ القرآن تحدث عن الأنثى في اثنتين وعشرين آية، وتحدّث عن الذكور في اثنتين وعشرين آية.. مستعملاً..(الذكر) و(الأنثى) و(الذكور) و(الإناث).. وفي هذا الحضور العددي للآيات كشف عن إعجاز القرآن، كما هو كشف عن الاهتمام المتعادل بالرجل والمرأة على حد سواء، ليعرف كل منهما حقّه على أساس العدل والإحسان والمعروف..

قال ابن عباس رضي الله عنهما : المعروف أيمن زرع، وأفضل كنز، ولا يتم الا بتعجيله، وستره. فإذا عجل فقد هنى، وإذا ستر فقد تمم.

يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر الاسبق رحمه الله: (لم يشرع الله الزوجية لتكون شركة جافة لا هم لأصحابها إلا أن يحقق كل واحد منهم مصلحته الخاصة ولو على حساب الآخرين؛ لذلك يتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصيحة والإرشاد إلى الأزواج والزوجات جميعاً، ويضع لهم الدستور الذي على أساسه تبنى البيوت، وتسعد الأسر، ويصلح النسل، وتقوى الأمة: (لا يفرك مؤمن مؤمنة ــ يعني لايبغضها ــ إن كره منها خلقاً، رضي منها غيره) ويقول: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) هذان حديثان كريمان ينبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما الأزواج إلى أمرين، هما: سر السعادة الزوجية وهما أهم ما يطلب من الرجل).

لا توجد امرأة إلا ولها بعض المزايا، وفيها بعض العيوب، وإن من التمس امرأة كاملة من جميع النواحي، فقد التمس محالاً، وهب الله هذه حظاً من الجمال وإن كان في خلقها شيء، ووهب هذه حظاً من الخلق وإن كان في جمالها شيء، وفاوت بين هذه الحظوظ والأقسام كما قضت بذلك مشيئته (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) القصص 68

هذه حقيقة من عرفها استراح وأراح، وأمكنه أن يغض عن العيوب المحتملة بجانب المزايا، وأن يغفر بعض نواحي الضعف لما يجبرها من نواحي القوة، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم (إن كره منها خلقاً رضي منها غيره) وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) (النساء 19)

ينسى بعض الأزواج هذه الحقيقة الواقعة فيركز اهتمامه بناحية الضعف في زوجته متناسياً كل المحاسن فيشقيه ذلك ويشقيها، ويظل من ناحيته يجسم هذا العيب، ويتتبع مظاهره ويتألم له حتى ينغص على نفسه حياته، ويغرس في قلبه كراهية زوجته، ويظهر ذلك في تصرفاته معها قصدا أو عفوا فتتألم هي أيضاً من ناحيتها؛ وتبادله كرهاً بكره، وإيلاماً بإيلام! وحينئذٍ يدب دبيب الخلاف، وتسري عوامل الشقاء فإما اعتلال بعد ذلك وإما انحلال.