معنى العبادة إخلاص لله في السر والعلن، ومراقبة الله في الأقوال والأفعال، والاعتراف بوحدانية الله وتقديسه وتنزيهه عما لا يليق به سبحانه، والتوجه إليه في السراء والضراء والشكر على نعمه والصبر على بلائه.
وحسبك دليلاً على شرف العبودية ومكانتها أن الله تعالى جعل تضرعنا بها إليه فرضاً محتوماً في أشرف المواقف ونحن ندعوه مخلصين له الدين {إياك نعبد وإياك نستعين} في كل صلاة.
والعبادة لم تكن قاصرة على الإنسان وحده فقد أشرك معه فيها كل المخلوقات {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}.
فالطيور والأشجار والجبال والبحار والأنهار والهواء والرعد والبرق والحشرات والحيوانات كلها تهتف باسم الرحمن ــ وقد وهب الله لسليمان النبي إدراك ذلك كله {ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين}.
فكل من في السموات والأرض يعبدون الله ويسبحونه ليلاً ونهاراً وكيف لا تسبح الموجودات بحمده وهو خالقها؟ وكيف تنصرف عن عبادة الرحمن لحظة وهو المدبر لها؟
سبحانك يا رب كلنا نتوجه إليك بالعبادة والتقديس والحمد والثناء فأنت أهل لكل عبادة فكلنا عبيدك، تأمر فنطيع، وتنهى فلا تعصى، تقلب الليل والنهار فتبدو آلاؤك ويقف أمامها القلب الخاشع حامداً لنعمائك يرتجف خشية ورهبة، وتذرف العيون دموعها خوفاً وحسرة، فكم ضاعت أيام دون أن نؤدي ما علينا من حق العبادة نحوك، وكم استجبنا لنداء النفس الخبيثة التي ما عهدناها تأمر بغير السوء، ولكن رحمتك أوسع من غضبك وعفوك أعظم من سخطك ــ وبابك مفتوح لكل من أقبل عليك فأنت التواب الرحيم، والكريم لا يرد سائلاً التجأ إليه يطلب منه العطاء.
من أجل هذا استجبت لبلاغك وتوجهت إلى حرمك، أرجو رحمتك، وقصدت رسولك الذي بعثته رحمة للعالمين استشفع به إليك، فإذا بي استمع إلى صوت القارئ يردد آياتك {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} فأشعر بالخشوع يملأ نفسي والفرحة تملأ قلبي وأسير الهوينى استجابة لأمرك أردد مع القارئ صفات عبادك كما صورتها آياتك فقد جمعت الصفات التي يتميز بها عباد الرحمن وبينت أحوالهم الدنيوية والأخوية وحسبهم هذا الشرف العظيم اكتسبوه من صفة العبودية والتقديس للرحمن !! عدت إلى نفسي استرجع هذه الصفات التي تتوافر في عباد الرحمن كما ذكرت هذه الآيات أتدبرها خاشعاً.
فمن صفات عباد الرحمن المشي في سكينة وتواضع من غير فظاظة أو خيلاء استجابة لأمر الله {ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً}.
ومنها حسن المعاملة مع الغير حتى ولو كانوا سفهاء فهم يلقون إليهم بالتحية والسلام ويتركونهم دون احتكاك بهم أو التعرض لأذاهم أما فترة الليل فيحيونها بالصلاة {يبيتون لربهم سجداً وقياماً} وصلاة الليل لها منزلة خاصة ولهذا كان لها ولفاعلها من آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الحظ الأوفى ففي القرآن الكريم {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً}.
ثم تتحدث الآيات عن بقية صفات عباد الرحمن فتذكر حبهم للزكاة وإنفاقهم دون إسراف أو تضييق فهم مقتصدون.
ومع إتيانهم بالطاعات فهم يجتنبون المعاصي فلا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يلجأون في حاجاتهم إلا إلى الله.
فمن شأن عباد الرحمن أنهم أخلصوا التوحيد لله ونبذوا كل أثر للشرك في عبادة ربهم وقصروا أنفسهم على الحلال من أوجه المتاع لينجوا من عقاب هذه المهلكات.
ومع هذا فمن تاب من هذه الذنوب وصدق في إيمانه وأتبع ذلك بالطاعات والأعمال الصالحة فهؤلاء يغفر الله لهم رحمة منه ويجعل لهم مكان السيئات السالفة حسنات يثيبهم عليها أجزل الثواب {فإن الله من شأنه الرحمة والمغفرة}.
ومن حرص عباد الرحمن على العبادة الحقة ودوامها يرجون الله أن يهب لهم الأزواج الصالحة والذرية الصالحة فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله وشاركوه في العبادة شعر بالسعادة فسوف يلحقونه في الجنة.