للإنسان حاجات يود قضاءها ومطالب يرجو نفاذها ومصالح يتمنى نجاحها وللإنسان ميول وأهواء وشهوات يحاول إرضاءها وإشباعها والتمتع بها وكل من ساعده على قضاء حاجة أحبه ومن وافقه على هواه مال إليه ومن عاكسه في مصالحه أو صادمه في أهوائه كرهه وأبغضه ونفر منه وباعده، فالحب والبغض من طبيعة الإنسان ومن صفاته المتأصلة الملازمة لا مفر منهما ولا عاصم ولم يخل إنسان من حب أو بغض ولم يتجرد مخلوق عن الميل والتأثر، فقد وجد الحب مع أبينا آدم عليه السلام وكان الحب والبغض بين أولاده سبباً في قتال بين قابيل وهابيل وشربت الأرض دم أول قتيل نتيجة حب القاتل لأخت المقتول فتولد البغض لأخيه وأنتج جريمة القتل، قال تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك) حتى قوله تعالى (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله).

وهكذا يتسلط الحب والبغض على النفس فتصدر الأعمال تبعاً لهما والأقوال والصفات فيصدر عن الحب الائتلاف والمودة والتعاون والرحمة وتقوية الرابطة وتمكين الصلة فتسعد الأفراد والجماعات والأمم، ويصدر عن البغض القطيعة والهجران والتفرق والاختلاف والخذلان والقسوة والشدة ولا أعالي إذا قلت إن كل حركاتنا وأعمالنا وصفاتنا ناتجة عن الحب والبغض، يؤلف الحب بين الزوجين والصديقين والأقارب والجيران والزملاء ويؤلف بينهم فيسعدهم ويفرق البعض بين الزوجين والوالد وولده والقادة والزعماء فيشقيهم وتشقى بلادهم معهم ولقد امتن الله على عباده أن جعل الحب يؤلف بينهم بعد أن صدع البغض بنيانهم، قال جل وعلا (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).

ولكن الإنسان يسير وراء هواه في حب الناس وبغضهم ويحكم أغراضه وأمياله في الرضا عنهم وكرههم ولا يوجه حبه وبغضه في وجهة الحق والعقل والدين، فكم من رجل يحب امرأة لجمال جسمها وحده وإن كانت مجردة من حسن الخلق ساقطة الكرامة عديمة الشرف كم من رجل أضاع أهله ونفسه ويضيع شبابه وماله. كم من امرئ يحب شخصاً فاسداً يعلمه الإجرام والمنكر ويسايره على الضلال والمعاصي ويكره شخصاً ينصحه في دينه ويعظه فيه ويرشده للحق، كم من مرؤوس يحب رئيسه لأنه يسهل له الوشاية بزملائه ويسمع لطعنه في إخوانه ويكره الرئيس الحازم الذي لا يسمع الغيبة ولا يرضى النميمة، وكم من رئيس يحب المرؤوس المتملق المنافق المداهن ويكره الصريح المخلص ذا الكرامة، كم من بيوت خربها الحب الأعمى والبغض الحيواني، كم من بلاد عذبت ومدن استبعدت لأن أبناءها يحبون الأجانب ويبغضون مواطنيهم، والله يقول (ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

لهذا وضع الإسلام ميزاناً للحب وحد حدوداً للرضا والسخط حتى لا تضيع الحقوق ولا تفنى البلاد بين حب أعمى وبغض عقيم تدخل الإسلام في الحب والبغض يمنع شرها ويوقظ خيرها ويجعلها سلاحين من أسلحة الحق وإسعاد الناس، فنهى عن الحب للدنيا والحب لمصلحة عاجلة وغاية سافلة وعن حب الأغراض والغايات فهذا حب زائل متقلب ليس له ثبات أو قرار، أما الحب الذي يرضاه الدين ويقره الإسلام والميزان العادل للحب والبغض فهو أن تحب لله وتبغض لله، تحب المؤمنين الصالحين وتبغض الكافرين الفاسدين تحب أولياء الله أنصار دينه وتبغض أعداء الله الحائدين عن سبيله، تحب من أحب الله ولو خالفك في أهوائك وتبغض من يبغض الله ولو وافقك على أغراضك، ولذلك وضع الإسلام ميزاناً للحب وحد حدوداً للرضا والسخط.