أكد د. حسام أحمد قاسم الأستاذ المشارك في الدراسات الدلالية حول القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ـ جامعة أوساكا اليابان ان المقصود بالتخطيط الاستراتيجي؛ التخطيط طويل الأمد، هو الذي يستهدف تحقيق غاية كبرى، من خلال وضع الوسائل المناسبة اعتمادا على قراءة دقيقة للواقع، تحدد ما فيه من معوقات وفرص، على نحو يحقق الكفاءة في استخدام الإمكانيات المتاحة لتحقيق رسالة سامية، وهو تخطيط يتصف بالمرحلية والمرونة، ووضع البدائل المتعددة.

وقال في بحث له عن التخطيط الاستراتيجي ان هناك ارتباطا عضويا بين هذا النوع من التخطيط وعدد من المبادئ العامة في الفكر الإسلامي والسنة المشرفة، وهي مبادئ: ضرورة الأخذ بالأسباب وضرورة اتقاء الفتن، وكون العمل جزءا من الإيمان، وفكرة بقاء الأمة، وضرورة اعتبار المآلات والتوقع في ضوء سنن الله في خلقه.

وأوضح أن البحث أوجب الأخذ بالأسباب من خلال دراسة السنة المشرفة عن طريق ربطه بفكرة عبادة الله اختيارا، حيث إن تحقيق أهداف المؤمنين دون أسباب سيعني الالتجاء إلى العبادة، بينما يستلزم الاختيار ألا تكون الدنيا دار جزاء، وعن طريق ربطه كذلك بفكرة كون النبي خاتم النبيين، إذ يعني ذلك انتقال وظيفة الأنبياء في التعليم والبلاغ إلى العلماء، وكذلك عن طريق ربط وجوب الأخذ بالأسباب بالموقف الإسلامي من المعجزة الذي يرفضها وسيلة للإيمان لأسباب ذكرها البحث، موضحا أن طلب تحقيق الأهداف دون الأخذ بالأسباب هو نمط من طلب المعجزات.

وفيما يتصل بفكرة ضرورة اتقاء الفتن للحفاظ على الإيمان أوضح البحث أن من بين الفتن التي ذكرها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف أن تكون القوة والدنيا بين أيدي غير المؤمنين، إذ من شأن ذلك أن يجعل المغلوب مولعا بتقليد الغالب في شعاره ونحلته وسائر أحواله، لأن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها كما ذكر ابن خلدون، ويوجب هذا الفهم على الأمة أن تكون في طليعة الأمم على المستويات كافة، أي إنه يوجب عليها الحصول على القوة بمعناها الشامل، وهو حصول يؤدي إلى ضرورة إنجاح التنمية الدائمة للأمة في الميادين كلها، وذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أو من باب أن الوسائل تأخذ حكم الغايات والمقاصد كما هو مقرر في علم الأصول.

 وفي الظروف المعاصرة يستحيل إنجاز مثل هذه التنمية الشاملة دون تخطيط استراتيجي يحشد كل طاقات الأمة ويديرها بكفاءة، بحيث يحصل منها على أفضل النتائج، ومن هنا يثبت كون هذا النمط من أنماط التخطيط واجبا.وقد ربط البحث كذلك بين فلسفة العمل في الحديث الشريف وبين التخطيط الاستراتيجي، حيث يعد العمل جزءا من مفهوم الإيمان، مع عدم التفريق بين العمل العبادي والعمل الأخلاقي والعمل التنموي الإعماري، وأوضح أن فلسفة العمل في الحديث الشريف تدعم فكرة التخطيط عن طريق أمرين: الأول هو دعم فكرة العمل من أجل المستقبل في ذاتها، فالمسلم يُعَوِّدُهُ الإسلام على أن يعمل الآن وينتظر الحصاد غدا، وهذه فكرة جوهرية في الإسلام وفي موضوع التخطيط الاستراتيجي، والثاني ما هو معلوم من أن الأعمال لا تتساوى في الأجر.

فهناك معايير تحدد درجة الأجر علي العمل، ومن هذه المعايير معياران مهمان يرتبطان بموضوع التخطيط ارتباطا مباشرا، المعيار الأول: هو نتائج العمل ومآله، مما يعني ضرورة النظر في الواقع وتوقع النتائج قبل الفعل، وهذه الفكرة هي جوهر عملية التخطيط، والمعيار الثاني هو استمرار العمل وعموم نفعه، واعتبار هذا المعيار يؤدي إلى أن يتعلم المؤمن التخطيط للحصول على الأجر، ليس في حياته فقط بل بعد مماته أيضا، فيخطط عن طريق الوقف والوصية لنفسه ولمجتمعه معا.

وفي هذا المبحث يربط البحث أيضا بين فكرة بقاء الأمة واستمرارها إلى يوم القيامة التي أكدها الحديث الشريف وبين موضوع التخطيط الاستراتيجي، حيث إن هذا النمط من أنماط التخطيط مرتبط بالمستقبل البعيد، ومن ثم فهو غير متصور في حالات التشاؤم العام والقلق على الوجود. فالقائمون بالتخطيط يجب أن يكونوا ممن يعملون لدنياهم كأن أمتهم تعيش أبدا، لأن صفة المرحلية تعني أن المخططين والمنفذين يبذلون جهدا كبيرا في عمل لا تظهر نتائجه إلا بعد فترة طويلة. ولذلك يربط دارسو التخطيط وعلماء الاجتماع بين العمران والأمل منذ ابن خلدون الذي صرح أن: «الاعتمار إنما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط».

أما الهدف الثاني لهذا البحث فقد تمثل في تقديم مثال عملي يوضح كيف يكون التخطيط مثمرا محققا لأفضل النتائج، عن طريق الاقتداء بتخطيط النبي صلى الله عليه وسلم. وقد خصص البحث مطلبا لكل صفة من هذه الصفات عرف بها، وأثبت أمرين، الأول كون هذه الصفة صفة من صفات تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني كونها صفة ذات أثر كبير في نجاح عملية التخطيط، أي أنها صفة من صفات التخطيط الجيد بشكل عام. وقد نتج عن دراسة صفات التخطيط النبوي إثبات الحقائق الآتية:

ــ إنّ طبيعة التخطيط النبوي محكومة بأمرين، الأول: هو طبيعة هذا النمط من أنماط التخطيط للمستقبل البعيد وصفاته، والثاني هو طبيعة النبوة وجوهرها.

فعلى سبيل المثال أوضح البحث عن طريق أمثلة كثيرة أن المرونة صفة مهمة من صفاته صلى الله عليه وسلم، غير أنها تتحقق فيه صلى الله عليه وسلم بالكيفية التي يتصف بها النبي، من حيث إنه أصبر الناس على الحق وعلى المصلحة ومن ثم فإن المرونة تكون فيما لا يتعارض مع الحق أو المصلحة كما يتضح من الفرق بين موقفه صلى الله عليه وسلم من حصار كل من الطائف وخيبر.

صفات

إنّ فهم هذه الصفات في علاقتها بالتخطيط وأهميتها في الوصول إلى النتائج المرجوة وتحقيق الأهداف له قيمة كبيرة في فهم تقييم النبي صلى الله عليه وسلم للأعمال، ويفسر هذا إسباغ قيمة دينية كبرى على بعض الأمور الحياتية مثل اختيار الأمراء لعمالهم نظرا لأهمية ذلك في صيانة دنيا المؤمنين ودينهم، فالمنهاج والخطط لا تنفذ نفسها وإنما ينفذها الرجال، وعدم كفاءتهم يزري بها، كما أن المنفذ قد يتعرض لمواقف جديدة تحتاج إلى قرارات أو تعديلات يقوم وحده بها.

ولذلك أولى النبي مسألة اختيار العمال أهمية كبرى، واعتبر التقصير فيها ذنبا عظيما، فقال: «من ولى من أمر المسلمين شيئا فأمّرَ عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله». وقال: «من ولى من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمؤمنين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين». وقد اعتمد شيخ الإسلام ابن تيمية على رواية الحاكم لهذين الحديثين وجعل تولية الأصلح واجبة.