قال الشيخ: لا بد أولا من الإشارة إلى أن إحساس الإنسان باكتفائه وغناه الذاتي وبأنه قادر على تحقيق ما يريد دون عون أو مدد هو شذوذ لا يمثل إلا مرحلة قصيرة طارئة على وجود الإنسان ولا يشمل جميع بني آدم، وأن هذا الوهم في طريقه إلى الزوال بعد الانسدادات التي واجهت التصور العلمي والفلسفي المادي للحياة، من هنا يمكن القول إن صورة الافتقار الذي يسم كل الكائنات بما في ذلك الإنسان قد عادت لتتضح من جديد وأن معاني اللجوء والاستعانة والاستغاثة برب السموات والأرض بما تحمله الربوبية من معاني الرعاية والرزق والحفظ عادت لتحتل مكانها الذي كان لها في تفكير الإنسان إن لم يكن أكثر.
الابداع والمهارة
يقول النورسي في النافذة الخامسة على الإيمان وهي نافذة الإتقان: إذا أمعنا النظر في الأشياء ولا سيما الأحياء نشاهدها وكأنها قد خرجت من يد الخلق لتوها وبرزت إلى الوجود بروزا فجائيا، فبينما ينبغي أن تكون الأشياء المركبة آنيا وعلى عجل بسيطة التركيب ومشوهة الشكل ومن دون إتقان نراها تخلق في أتقن صنعة وأبدعها، هذا الإتقان والإبداع الذي يتطلب مهارة فائقة.
ويقول: ونراها في أروع نقش وأدق صورة، هذه الروعة والدقة التي تحتاج إلى صبر عظيم وزمن مديد، ونراها في زينة فاخرة وجمال أخاذ، هذه الزينة وهذا الجمال اللذان يستدعيان آلات تجميل متنوعة ووسائل زينة كثيرة.
فهذا الإتقان المعجز والصورة البديعة والهيئة المنسقة والإبداع الآني، كل يشهد على وجود الصانع الحكيم، ويشير إلى وحدانية ربوبيته، كما أن مجموعه يبين بوضوح الواجب الوجود القدير الحكيم ويبين وحدانيته سبحانه.(النوافذ 11).
فالكائنات متصفة بالتعقيد، سيما الأحياء، وفي الإنسان مستويات عالية من التعقيد في تركيبه الكيميائي والنسيجي والخلوي وفي كيفية أداء وظائفه ودفاعه عن نفسه، ثم ان هذا التعقيد مصحوب بالجمال والحسن والتناسق، وجمع الجمال إلى التعقيد المؤدي إلى حسن أداء الوظائف ليس سهلا، وقد أكد العلماء أن في الكون صورا ومستويات من الجمال زائدة على حسن أداء الوظيفة، بمعنى أن الجمال في الكائنات صفة موجودة لنفسها، والآن هذا التعقيد والجمال لو أردنا إرجاعهما إلى الطبيعة أو الصدفة، ألا يفترض في أحسن الأحوال أن يقال بأنهما يحتاجان إلى وقت طويل في الإنشاء وربما في المحاولة والخطأ، ولكننا هنا نرى إنشاء متقنا وجميلا ومنجزا وناجعا دون محاولات وأخطاء وبوقت يتطلب مهارة غير متصورة، لا يسهل تصور أداء مثل هذا ثم ينسب للطبيعة أو للصدفة، إلا إذا نسبنا للطبيعة صفات الحكمة والقدرة والإبداع مما لا يوصف به إلا الله عز وجل، وهنا نجد أنه لا مبرر لوصف طبيعة صماء بصفات الألوهية، لمجرد أننا لا نريد أن نعترف بالإله.
القدرة الالهية
يتحدث العلماء اليوم عن قصة لنشوء الكون والأحياء تبدأ من الانفجار العظيم وتنتهي بوجود الإنسان، ولسنا هنا في معرض تفصيل هذه القصة ومناقشتها، ولكن مما يذكر أن العلماء اليوم يقرون أن الزمن الذي حدث فيه هذا النشوء ابتداء من الذرات الأولية حتى اليوم لا يمكن أن يكفي لنشوء قائم على الصدف والمحاولة والخطأ. وأن هذا النشوء لا بد أنه قد حدث بناء على خطة أو تصميم لقدرة مبدعة، واحتمال نشوء مثل هذا قائم على الصدف هو الصفر أي الاستحالة التي تكاد تكون مطلقة، وهو قريب مما يقوله النورسي، من حيث إن التناسق والتعقيد المؤدي إلى حسن أداء الوظائف بالإضافة إلى الجمال لا يمكن إرجاعهما إلى الطبيعة أو الصدفة مما يحتاج إلى وقت طويل في الإنشاء لا تؤيده المشاهدة ولا العلم.من هنا كان العلماء هم الأقرب إلى خشية الله تعالى، لأنهم أمام شهود هذه الحقيقة لا يملكون إلا أن يسلموا لمبدع السموات والأرض ومن فيهما، ان النورسي هنا يذكرنا بالإبداع، الإتقان، الدقة، الجمال والحسن، الآنية والسرعة...وهذه صفات لا يمكن عزوها إلا إلى خالق قادر حكيم.
