المال نعمة وخير في يد الحر الكريم، ونقمة وشر في يد بخيل لئيم، والمال ليس خيراً لذاته، فقد يكون مصدر تعب وشقاء لصاحبه، ومبعث طمع وشراهة في نفس جامعه، ورصداً محرماً على عابده وكانزه ففائدة المال في إنفاقه في عمل مفيد وبذله لخدمة الأمة ونفع الناس وإسعادهم وإرضاء ربهم، وإن من أجلّ الأعمال نفعاً وأحسنها أثراً وأعظمها أجراً إنفاق المال في بناء المساجد وتشييدها وإقامتها للعبادة وتعميرها ليذكر فيها الخالق فيخشع المخلوق ويسبح المرء مولاه فلا يغتال الحقوق، ويقيم الصلاة لينتهي عن الفحشاء والمنكر، ليقيم الصلاة عماد الدين ورأس الأمر وأول عبادة فرضها الإسلام، وآخر ما أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم عند موته، وأول ما نحاسب عليه، وآخر ما يرفع من الأرض، وهي عبادة الملائكة، فرضت في السماء ليلة الإسراء، وهي الفارق بين الكفر والإيمان، والصلاة أحسن صلة بين العبد وربه، تؤكد عبوديته لله وإذعانه ورضاه، وهي رياضة للنفس وتمرين لها على الفضائل ومكارم الأخلاق وجليل الخصال، وفيها راحة القلب واطمئنانه، وسكون النفس وتزكيتها، والصلاة روضة الصالحين ونزهة المؤمنين، قال تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) .

ولم لا نتقرب إلى الله بعمارة مساجده وتشييدها ورفعها؟ لنكون فيها ضيوفاً على أكرم الأكرمين وهو يقول: ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) .

لقد ساهم المصطفى صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة قبل مبعثه، وكان يحمل الحجارة على كتفه. لقد هاجر إلى المدينة فكان أول عمل له أن بنى مسجد قباء خارج المدينة، وبنى مسجده العظيم داخلها، وهو ثاني المساجد العظيمة، فكانت مساجده عليه الصلاة والسلام حلقات طيبة للتعليم والإرشاد الصحيح، كان مسجده مكان العبادة، ومدرسة الهداية، وحصن الأخلاق، وقلعة الأدب الكامل، فالمساجد مصدر هداية الأمة، لو أخلص الخطباء في وعظهم، الخطباء قادة الرأي، لو أحسنوا الرأي وعرفوا كيف يؤثرون في الأمة، المساجد لو تشجع أئمتها لقضوا على الخرافات والأباطيل والشعوذة والتدجيل والقبائح والبدع والمنكرات والآثام، المساجد ملجأ العابدين وحمى التائه، تقربه من ربه، وتحد من طعمه وظلمه وتخلصه من التعلق بغير خالقه ليكون موحداً خالصاً، فكثير من ولاة مصر وعظمائها يتقربون إلى الله ببناء المساجد، حتى صارت المساجد في كل حي، ولكن العمران قد اتسع، والسكان في زيادة مطردة، ونشأت ضواح كثيرة، وامتدت مباني القاهرة حتى اتصلت بضواحيها، فمن العار أن تظل هذه الأماكن خالية من صوت مؤذن ينادي (حي على الفلاح).

يقول تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).

وقال صلى الله عليه وسلم : «من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله في الجنة».