أكد د. كايد يوسف قرعوش أستاذ السياسة الشرعية وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة العلوم التطبيقية الخاصة بعمان الأردن أن فن مطالعة المستقبل أو استشرافه ضرب من الفقه الذي يتجاوز فيه صاحب الرؤية حدود الأمر الواقع إلى ما هو متوقع، إنه نوع من الحدس التاريخي المبني على منهج علمي يستقرئ السنن والقوانين التي تحكم المجتمع.

ودعا د. كايد إلى الارتقاء بعلم الاستشراف في عالمنا الإسلامي، وتجريده من الدجل والشعوذة والتنجيم وطوالع البروج، والدعوة إلى تعزيز الدراسات في علم الاستشراف والتخطيط في السنة النبوية، في موضوعات تتصل بمستقبل الصراع بين الأمة الإسلامية وغيرها، وبالوحدة الوطنية، وما إلى ذلك من موضوعات، ودعوة الحكومات الإسلامية إلى الإفادة من منهجه صلى الله عليه وسلم في التخطيط لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وبخاصة في هذه الظروف التي تتسم بالتضخم وارتفاع الأسعار ومحدودية الدخل، والتأكيد على شكر النعمة في حق الأفراد والمجتمعات، وعدم استمراء حياة الدعة والترف التي باتت تخيم على كثير من أجوائنا استبقاء للنعمة.

 

التنمية الاجتماعية

وقال إن الدخول إلى المستقبل لا يكون بغير تخطيط مدروس تحدد فيه الأهداف، ليصار إلى تحديد الوسائل والأدوات المكافئة لتحقيق هذه الأهداف، وجامع ما بينه وبين الاستشراف أن كلا منهما يبنى على منهج علمي ينأى عن التخبط والتعامل مع المستقبل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وقال في بحث له بعنوان «اهتمام السنة بالاستشراف والتخطيط في التنمية الاقتصادية والاجتماعية» إن الناظر في السنة النبوية يجد فيها مساحة واسعة حول كل من هذين المفهومين، ويتكفل هذا البحث ببيان شيء من ذلك في قطاع التنمية ببعديها الاقتصادي والاجتماعي.

وقد أكد الباحث ما هنالك من ارتباط بين كل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالتنمية الاقتصادية تعني تحقيق معدل سريع للتوسع الاقتصادي تنتقل به الدولة المتخلفة من معيشة الكفاف إلى مستويات متقدمة من الرفاه الاقتصادي، وتزداد به معدلات النمو في الدول المتقدمة.

 

كثرة المال

والتنمية الاجتماعية تدور على تحقيق العدالة الاجتماعية، التي تستلزم إحلال اليسر بدل العسر، والحيلولة دون الظلم والجور، وتحقيق الرفاه العام. وقدم الباحث صورا من الاستشراف والتخطيط في قطاعي التنمية المذكورين.

ففي مجال الاستشراف عرض الباحث مظاهر مختلفة للرفاه الاقتصادي والاجتماعي الذي يرتقب الأمة الإسلامية في مستقبلها الآتي من وفرة المال مما أخبرنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «تصب عليكم الدنيا صباً» و«يفيض المال فيكم فيضاً». ونتيجة لذلك فإن جيوب الفقر ستضمحل شيئا فشيئا «حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا إرب لي».

وهذه الحالة من خفض العيش ووفرة النعمة مما يعز أن تجده في أمة اخرى، ويضاف إلى ذلك ظاهرة استقدام العمالة الأجنبية وانتشار الخدم الأجانب في البيوت الإسلامية، على حد ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مشت أمتي بالمطيطاء، وخدمتها أبناء الملوك، أبناء فارس والروم، سلط شرارها على خيارها». أما التأنق في المآكل والملابس فمظهر آخر من مظاهر الرفاه، حدثنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم- بقوله: «سيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم- يلبسون مثل أستار الكعبة، ويغدا ويراح عليهم بالجفان».

 وهذه المظاهر الاجتماعية الاقتصادية لن تبلغ مداها بمعزل عن الاستقرار السياسي وشيوع الأمن الذي يعد مظلة لما عداه من مظاهر التنمية، يترجم هذا قوله صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم: «فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله». وقوله لخباب بن الأرت: «والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه».

ويبين البحث لوناً آخر من ألوان التنمية، وهو ازدهار التجارة والزراعة والعمران. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم-: «إن من أشراط الساعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة». والأسواق التجارية كما نرى في أيامنا هذه- تملأ المدن طولا وعرضا.

هذا في التجارة، وأما في الزراعة فيخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً». وهذا الاستشراف عن بعد يرسم صورة التحولات المناخية في المنطقة، حتى تنفض الجزيرة العربية عنها عباءتها الصحراوية، لتلبس عباءتها الخضراء التي تنسجها لها المقادير عبر الزمن الآتي، وهو ما تؤكده الدراسات العلمية المعاصرة. وأما القطاع العمراني فحدث ولا حرج، تجد آيته في ما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «وحتى يتطاول الناس في البنيان». ولعل هذه الصورة أوضح ما تكون في أيامنا هذه، إذ تنتشر البروج وناطحات السحاب في مختلف المدن الإسلامية، وبخاصة الخليجية منها.

 

تبعات كبرى

وهذه الصور الوضيئة الناطقة بحدوث نقلة واسعة واعدة في مجال التنمية، بعدما عانت الأمة الإسلامية ما عانت من ضنك المعيشة، كلها شواهد على صدق النبوة، وهذا يلقي على كاهل هذه الأمة تبعات كبرى، فالتنمية المستدامة لن تتحقق في ظل الأشر والبطر، فبالشكر تدوم النعم، وإن كفر النعمة مؤذن بزوالها، وما أمر سبأ عنا ببعيد «فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور».

هذا في ما يتعلق بالاستشراف، أما في ما يتعلق بالتخطيط فإن شواهده في السنة النبوية من الكثرة بمكان، تأكيدا لما ورد في قوله تعالى: «أفمن يمشي مكبّاً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم». وقد أبرز البحث صوراً من التخطيط في إطار التنمية، قدم لها بالتنويه بعملية الإحصاء التي أجراها الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: «أحصوا لي كم يلفظ الإسلام». ففي إطار التنمية الاجتماعية كان الحديث عن التخطيط في تنظيم النسل، سواء تم ذلك بطريق العزل الذي لم ينه الرسول صلى الله عليه وسلم عن فعله، أوالغيل الذي همّ الرسول صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه ولم يفعل، أو تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله.

وتظهر لنا السنة النبوية صورة أخرى من صور التخطيط لتحقيق التوازن الاجتماعي بين المهاجرين والأنصار، عبر سلسلة من التدابير المؤقتة التي هدفت إلى ردم الفجوة بينهما، فكانت المؤاخاة أول هذه التدابير.أما ثانيهما فكان النهي عن المزارعة، وتخيير الأنصاري صاحب الارض بين أمرين: إما أن يتولى زراعتها بنفسه، أو أن يمنحها أخاه المهاجر دون مشاركته في النماء، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه». وتدبير ثالث هو صرف فيء بني النضير للمهاجرين دون الأنصار بعد استرضائهم، إذ لم يُعْطَ أحد من الأنصار منه شيئاً إلا رجلين كان بهما حاجة.