يقول الشيخ: مازلنا مع النوافذ على الإيمان كما هي عند الشيخ سعيد النورسي رحمه الله، ونافذتنا اليوم تحمل عنوان الإجابة والدعاء، يقول النورسي: هي استجابة الخالق لجميع الأدعية المنطلقة بلسان الاستعدادات في النبات والحيوان وبلسان اضطرار المستغيثين من بني الناس، نعم، إن الاستجابة لجميع هذه الأدعية غير المحدودة استجابة فعلية بادية أمامنا نشاهدها رأي العين، فكما يشير كل منها إلى الواجب الوجود وإلى الوحدانية فإن مجموع تلك الاستجابات تدل بالبداهة وبمقياس أوسع وأعظم على خالق رحيم كريم محبب، وتوجه الأنظار إليه سبحانه وتعالى (النوافذ 11).

ذلك أن الكائنات من ذوي الحياة والشعور تتطلع دائماً من وحي ما تحمله من استعدادات للحفاظ على البقاء والنوع إلى إعانة تستعين بها من واقع عجزها الذي تشهده في نفسها، فهي على اختلاف مراتبها لا تملك وسائل مواجهة الأخطار المحدقة بها وتحقيق أغراضها كاملة في التغذية والرزق والتناسل، فلسان حالها قبل لسان مقالها يلهج بالاستعانة بمن ييسر لها هذه الشروط، ثم إنها لا تلبث أن يستجاب لها ويقدم لها ما تروم إليه وما تقصده، وان كان بعضنا لا يرى الاستعانة والدعاء مما تلهج به كل الكائنات في السماء والأرض فان استجابة الدعاء وتلبية النداء مما لا تخطئه عين، وفي ذلك دليل على رب كريم حنان كريم تتجه إليه القلوب والأنظار عند جميع الكائنات.

وإذا كان الإنسان هو قمة الموجودات ذات الشعور كما لا يختلف عليه اثنان فإن حقيقة الدعاء والاستعانة والاستغاثة برب عظيم قادر على المدد في الوقت المناسب أمر مشهود له عنده حتى عند جفاة القلوب ممن لا يدفعهم إلى اللجوء إلا الحاجة أو الخوف، وشهود الدعاء أو الفزع إلى الله عز وجل يصحبه شهود الاستجابة والكرم الإلهي، إذ أن الحاجات كثيراً ما تلبى والغايات كثيرا ما تدرك بمدد الله وعطائه، وهو الغالب الأعم حتى على المستوى الإحصائي، فكرم الله عز وجل في الإمداد تنطق به أحوال جميع الكائنات ومثله في الحماية والحفظ وفي الإيجاد من حيث تيسير أسباب التناسل، أما ما قد يرافق كل هذا من مظاهر حرمان أو عدوان أو عقم فهو مع قلته شاهد للعطاء الذي لا يدرك إلا بالقياس مع الأخذ والمنع، وكثيراً ما يكون لحكمة قد لا تراها العيون في البدء ولكنها سرعان ما تظهر واضحة ساطعة ملجمة حتى للخواطر والأفكار، والحاصل أننا أمام كون لاجئ إلى الله في كل ساعة ورب كريم دائم الإمداد والإيجاد والحفظ والرعاية، وهذا هو معنى الربوبية الذي تصدح به جنبات الوجود والمكونات.

إن الكرم الإلهي إمداداً وإيجاداً ورعاية وحفظاً هو عماد الكون ودعامات استناده، فهو كضوء الشمس في وضح النهار يملأ الدنيا ويبهر الأبصار، ووجود بعض الظلال هنا وهناك لا يعيب النور الباهر بقدر ما يشهد له، ولجوء الإنسان إلى ربه جلي عند أغلب الناس فإن لم يكن بالاستعانة والدعاء كان باللجوء والاستغاثة في الشدائد، وان لم يكن بهذه الأخيرة كان في التفاؤل وتوقع الأفضل، وما ذلك الا غطاء للطمع برب كريم عطاؤه أكثر من منعه ويسره أكثر من عسره، ولو أن الأمور كانت تابعة للاحتمال أو للصدف لحرم أكثر الخلق مما هم فيه فيد الله عز وجل في عطائه لخلقه ظاهرة لكل ناظر لا يخطئها إلا مكابر.

والعلم اليوم يميل إلى أن كل ذي حياة هو ذو شعور وذكاء، حتى النبات وما دونه من أحياء، وهذا يسير مع تسبيح الكائنات لرب العزة واستعانتها به في قضاء حاجاتها وهو من أخبار الوحي المعصوم لمن آمن به، فأما من لم يؤمن بعد فندعه مع غلبة العطاء على المنع وقضاء الحاجات على عدم قضائها وسير جحافل المخلوقات في أودية الإمداد والحفظ والرعاية التي لا يمكن إلا أن تكون ربانية.