أكد الدكتور محمد زرمان، أستاذ العقيدة الإسلامية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجزائر، أن الإنسان الذي يثق في نفسه وقدراته، ويحس بأهميته في المجتمع والأمة، إنسان على جانب عظيم من الإيجابية التي تحفزه للتطلع إلى المستقبل، وتبعث فيه روح الطموح، مشيراً إلى أن الأحاديث التي تبني هذه الثقة العالية بالنفس، وتؤكد أن لدى كل إنسان شيئاً يعطيه لإخوانه كثيرة ومتنوعة. وتناول الدكتور زرمان في بحث له حول النظرة الإيجابية للمستقبل في السنة النبوية الشريفة وأثرها في تقدم الفرد والمجتمع أثرها البعيد في تقدم الفرد والمجتمع.

وأن القرآن الكريم قد وضع لها الأساس المتين من خلال الآيات التي تفتح للفرد أبواب التوبة على مصراعيها، وتَعدُ الأمة بالنصر والتمكين، وأن السنة النبوية كانت في جميع جوانبها القولية والفعلية والتقريرية تؤسس للتفكير الإيجابي، وتغرس الأمل في النفوس المتعبة غرساً، وتستنهض الهمم في غد مشرق ومستقبل واعد.وقال إن من ركائز هذه النظرة الإيجابية للمستقبل وتجلياتها الواضحة في الشخصية المسلمة التي شكَّلها الرسول صلى الله عليه وسلم نذكر:

1 ـ بناء الثقة بالنفس: فالإنسان الذي يثق في نفسه وقدراته، ويحس بأهميته في المجتمع والأمة، إنسان على جانب عظيم من الإيجابية التي تحفزه للتطلع إلى المستقبل، وتبعث فيه روح الطموح. والأحاديث التي تبني هذه الثقة العالية بالنفس، وتؤكد أن لدى كل إنسان شيئاً يعطيه لإخوانه، ويتحمل بذلك قسطه من العطاء والإنجاز الإيجابي الدائم كثيرة.

2 ـ التوبة الصادقة وتجديدها: التوبة الصادقة باب واسع للولوج إلى المستقبل والإبداع فيه، والتخلص من أوزار الماضي وضغوطه، كما أنها علاج ناجع لكثير من الأمراض النفسية التي تصيب الإنسان بالعجز، وتشل فيه إرادة الخير، لأنها تعطيه الأمل الجميل في الغد، وتمنحه فرصة التراجع عن سلبيته وتعويضها بإيجابية نافعة يظهر أثرها الطيب في عمله المستقبلي.

3 ـ استثمار الإمكانات المتاحة في الوقت المناسب: وضرورة استغلال الوقت إلى أقصى حد وعمارة الساعات بالخيرات ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً، وتسخير جميع الإمكانات المتاحة لتحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال دون كسل أو تسويف.

4 ـ الدعاء وحسن الظن بالله: وهذا باب عظيم من الأبواب التي فتحتها السنة النبوية للمسلمين، حتى تظل نفوسهم سليمة من آفات اليأس والقنوط، ومعافاة من أسقام الاكتئاب والحزن، لا تستسلم لمصائب الدنيا، ولا تنحني لنوائب الدهر، بل تعمل بجد يملؤها الأمل في أن الله، سبحانه وتعالى، لن يضيع جهدها ما دامت تتوجه إليه في كل وقت وحين، حتى لو كانت الظروف المحيطة قاهرة، وضغوط الواقع رهيبة.

5 ـ صناعة المستقبل مسؤولية الإنسان: ما سيأتي به الغد هو حتماً نتيجة طبيعية لمقدمات اليوم، لذلك يتعين على المسلم أن يتحرى الصلاح في كل شيء، ويتتبع مواطن الخير والحق، وهو على يقين من أن الآتي سيكون على شاكلة ما قدم. فهذا اليقين يحرر المسلم من عقدة الخوف من المستقبل، ويمنعه من أن يتطلع إلى الغيب من السبل المنحرفة والطرق الملتوية التي تفسد العقل وتعطل العمل.

وأضاف: ظلت هذه النظرة المتفائلة إلى المستقبل رديفة المؤمنين طوال سنوات البعثة، يروي غراسها النبي الكريم بأحاديثه، التي تبشر بأن هذا الدين سيشمل الأرض كلها، ويصل إلى مشارقها ومغاربها، لتظل آمال الأمة حية لا يتسلل اليأس إلى قلوب أبنائها، عندما تدور عليهم الدوائر، ويتنكر لهم الزمان. وأدرجتُ ضمن هذا المحور عدة مباحث كالتالي:

1 ـ النظرة الإيجابية للمستقبل وأثرها في تحقيق الانتصارات الكبرى: حيث استوعب الصحابة الكرام هذه التربية الرشيدة وتمثلوها، وأيقنوا أن تحقيق المستقبل الإسلامي الزاهر منوط بجهودهم وسعيهم، فانساحوا في الأرض، فدانت لهم الإمبراطوريات العظيمة والممالك الكبيرة. وجاء المسلمون من بعدهم فأكملوا المسيرة، وتسابقوا إلى تحقيق نبوءات النبي الكريم، لينالوا الشرف العالي، ولعل في محاولاتهم الكثيرة لفتح القسطنطينية أبرز مثال على ذلك.

2 ـ النظرة الإيجابية للمستقبل وأثرها في تجديد الدين وإحيائه: فالحديث الشريف الذي بَيَّنَ فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن من رحمة الله بهذه الأمة التي تحمل أمانة الرسالة الخاتمة أن يقيض لها على رأس كل مائة سنة من ينفض عن الإسلام غبار السنين، وضلالات الجاهلين، وبدع المبتدعين، قد حفز العلماء في كل عصر ومصر لحراسة الدين وإحياء ما اندرس من أحكامه وفضائله، فارتبط مستقبل الأمة عبر العصور بهذا الحديث.

3 ـ النظرة الإيجابية للمستقبل وأثرها في توخي الحذر والحيطة: حيث قدم الرسول صلى الله عليه وسلم بين يدي مبشراته جملة من التحذيرات التي تخبر المسلمين بما سيلحقهم من العنت والهوان إن هم نقضوا عهد الله وخانوا أمانة الدين، كتَبَنّيهم للمرجعيات الوضعية والمنظومات البشرية الضالة، وإصابتهم بالضعف والهوان، واستسلامهم لقوى الطغيان العالمية، وانتشار الفرقة بينهم، حتى يتقاتلوا على حطام الدنيا، وينسون رسالتهم، وأمانة الله عندهم، ووديعة رسول الله لديهم.

4 ـ النظرة الإيجابية للمستقبل وأثرها في بث الأمل وشحذ العزائم: دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم على النهي الشديد عن بث روح الإحباط بين الناس، وتقنيطهم وتيئيسهم من رحمة الله ونعي الأمة ونفض اليد منها، وأكد في المقابل أن الخير ماض في أمته إلى أن تقوم الساعة، وأنها أمة معطاءة، لا تتوقف أبد الدهر عن إنجاب العظماء، مهما ادلهمت الخطوب، واشتدت المحن، وأن الله قد سبق في علمه أنها ستتفرد بين الأمم بالمجد، وتحوز مقامات الشرف العليا، وتملك الأرض ملك تمكين رباني.

محاور

وقسم الدكتور زرمان بحثه إلى خمسة محاور وهي:المحور الأول بين فيه أن صنع التاريخ وإعمار الأرض متوقف على حركة الإنسان، وأن ماضيه وحاضره ومستقبله من صنع يده، ومن ثمرات تفكيره وسعيه. وفي المحور الثاني تناول أهمية النظرة الإيجابية للمستقبل في التجربة الإنسانية، وأوضحتُ أن الإنسان الذي يفكر بطريقة صحيحة، وينظر إلى المستقبل نظرة إيجابية، يمتلك قدرة أكبر على ضبط النفس، والتغلب على الضغوط وحل المشكلات، ويتمتع بصحة نفسية جيدة، بينما يشعر صاحب النظرة السلبية إلى الحياة والمستقبل بهبوط عام في الروح المعنوية، وتناقص مستمر في الدافعية للعمل والإنجاز، مصحوب بالحزن والتوتر والقلق وعدم الرضا عن النفس والقنوط والانسحاب الاجتماعي وإحساس حاد بالوحدة.وفي المحور الثالث حاول تلمس معالم التأسيس للنظرة الإيجابية للمستقبل في القرآن الكريم، وبين أن القرآن الكريم قد حرص على صياغة الشخصية المسلمة صياغة راقية،