حبب الله للمؤمنين الصلاح والإصلاح، ولكن اليوم كثر النزاع بين الناس وعم الخلاف واستحكم الشر وتأصل النفور ودخل الشيطان القلوب، فسكنها، فصرنا نرى الشقاق بين الأصدقاء والزواج والأسر والأحزاب والطوائف والفرق والممالك والدول، حتى يخيل لك أن المرأة عدوة لزوجها وأن الصديق حرب على صديقه وأن العائلات والأسر لا يجمعها دين واحد ووطن واحد، فالكل يتفنن في التغلب على صاحبه والإيقاع به والتشهير والانتقام منه وكانت النتيجة لهذا التشاحن أن انقطعت الرابطة وانعدمت الثقة وقل التعاون والتآلف وذهب البر والتناصر ففشلنا وذهبت ريحنا، فانقسمنا فضاع ملكنا (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).
يقوم نزاع بين زوجين فلا يجدان مصلحاً يقرب بينهما ولا يتقدم عاقل لإطفاء غضبهما فيكبر الأمر ويعظم الشر حتى يصل للمحاكم، فتكون قضايا وخصومات ورسوم، ولو اتبعنا القرآن لتداوى الأمر قبل استفحاله وقطعنا دابر الشر قبل انتشاره، قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريد إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً)، فقد يدب خلاف بين صديقين أو أسرتين فيتعصب كل لرأيه ويتصلب لهواه وميله ويلوى كل عنقه كبراً ويدبر عناداً وبطراً وتبدأ المناوشات والتشاجر ثم التضارب والتقاتل فتزهق الأرواح وتقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق وينقسم الناس فريقين ويتحزبون شيعاً وطوائف، فتكثر شهادة الزور وتمشي النميمة والوقيعة وتتعطل المصالح وتضيع الأموال هباء ويختل الأمن ويضرب النظام، ولو تدبرنا القرآن لمنعنا البغي والعدوان، تتعدد الأغراض بين الطوائف وتختلف الأطماع بين الأحزاب فيتشاءمون ويتسابون وكل يطعن الآخر بأحد المطاعن ويرميه بأقذر التهم، حتى صارت مجالسهم وجرائدهم مشحونة بالقذف المخزي واللعن القبيح، يلعن بعضهم بعضا ويمدحون عدوهم يخاصمون إخوانهم، ولو حكمنا كتاب الله لأرشدنا للحق (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون).
أين دعاة الإصلاح، أين من ينادي بالتصافح والوفاق، أين من يجرد نفسه من هواها وقلبه من حسده ويعمل على تقريب النفوس وجمع الكلمة وتوحيد الصفوف والجهود والناس في مجالسهم ونواديهم، يزيدون النار اشتعالاً ويوغرون الصدور ويهيجون الخواطر ويحرضون بعضهم بعضاً ويبيتون الشر لإخوانهم حتى صارت دعوة الإصلاح مكروهة ونداء التآلف بغيضا وصوت الحق والدين لا يرضى أحدا، فلقد كان فينا رجال يعقدون مجالس الصلح في القرى والمدن، يداوون الخلاف ويعالجون المشاكل ويفضون النزاع في مجلس ينتهي بصفاء وسلام، لقد كان في كل منطقة وحارة كبير منها، كلمته محترمة ورأيه مطاع وقوله في الإصلاح مسموع.
إن الإصلاح بين الناس أدنى أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن الإصلاح بين المتخاصمين والتقريب بين متباعدين يرضي الرحمن ويوافق الأديان وهو أفضل قربة لله، رفعه النبي صلى الله عليه وسلم على منزلة الصلاة عمود الدين وعلى الصوم مهذب الأرواح وعلى الصدقة مظهر الرحمة، وبيّن أن النزاع يمحو الدين من القلوب ويزيل الإيمان من الصدور، فإننا مسلمون لا يليق أن تأخذنا العزة بالإثم فنغضب من دعوة الحق، نحن موحدون لا يصح أن نعرض عن قول الصدق، نحن مؤمنون بقول رسولنا صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.