يشعر المسلم بحلاوة الطاعة كلما أخلص فيما يقوم به من أمور تعبدية، الأمر الذي لا يجعله يضيع وقته دون أن يحقق خيراً لنفسه فيكثر من النوافل والصدقات وذكر الله مع المحافظة على أداء الفرائض دون نقصان والإخلاص في عمله كي يستمتع بحياة طيبة مع زوجة صالحة وذرية طيبة. قال تعالى: «من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون». «النحل 97».

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من أعطيهن فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة: قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وبدناً على البلاء صابراً وزوجة لا تبغيه حوباً، لا تقع في ذنب بسبب عصيانها أوامره أو إضاعة ماله» لا تبغيه حوباً في نفسها وماله. «رواه الطبراني بإسناد جيد».

 

التواضع لله

والمسلم الموفق هو الذي يعبد ربه بسلامة الصدر فلا يحمل غلاً لأحد ولا يحقد على أحد ولا يحسد أحداً، وهو الذي يسخو بماله على أسرته وعلى من يقصده لحاجة من الفقراء ويكون صادقاً في نيته كي يقبل عمله إن شاء الله، وهو الذي يصدق فيما يتفوه به من كلام ويراعي ربه في كل كلمة تخرج منه، فكم من كلمة فرقت بين الأحباب، وهجر الأخ أخاه والزوجة زوجها، وينبغي عليه أن يكون متواضعاً في كل ما يقوم لأن من تواضع لله رفعه، وشعر في قرارة نفسه بالعزة والإباء، فلا يزل نفسه لغرض دنيوي يجعله يقصد لئام الناس.

وعليه أن يكون صبوراً إذا اعترته شدة أو ألمت به ضائقة، ويأخذ العبرة مما هو فيه، ويزداد ثقة في رحمة الله، فرحمته وسعت كل شيء. والموفق هو الذي يلجأ إلى ربه يدعوه ويتفرغ إليه في خلوته وفي قيامه بالليل، ولو صدق في كل ما يقوم به لقبلت عبادته بإذن الله تعالى. قال تعالى: «كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون». «الذاريات 17، 18». وقال تعالى: «واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً. «الإنسان 25، 26».

وجاء في حديث طويل روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلتُ بلى يا رسول الله. قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ المال النار، وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين ثم تلا قوله تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. «السجدة 16، 17». وما من عبادة إلا ورتب الشرع عليها آثاراً على العبد في حياته وهذه الآثار تختلف باختلاف العبادة وكلها تهدف إلى تهذيب السلوك، ومن ذاق طعم الإيمان تحرك عملاً بمقتضاه واتقادت جوارحه لأمر ربها وهذا طريق السعادة في الدنيا والآخرة.

 

مهبط الرحمات

وبشر المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه أصحابه بزيادة درجات من عمر مع علو مركزه في الجنة جزاء كثرة ركعاتهم وثواب صلاتهم.

روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رجلان من «بُلى» حي من قُضاعة أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله، فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا وكذا ركعة صلاة سنة. «رواه أحمد باسناد حسن وغيره». أي مد الله في عمر ذلك الأخ حتى صام رمضان وأدى الفروض كما يجب وأكثر من التهجد والنافلة فقبل الله عمله فأدخله الجنة قبل أخيه المجاهد في سبيل الله لنصر دين الله فأعجب أخي كما عجب سيدنا طلحة بن عبيد الله.

وقد أزال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العجب بأن الإخلاص لله في العبادة مهبط الرحمات، ويجلب الحسنات، ومرضى الرحمن، ولعل هذا من الصديقين الذين قدمهم الله تعالى في قوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما. «النساء 69، 70». يقال: ينبغي للعاقل أربعة أشياء حتى يصلح عمله ولا يضيع اجتهاده، أولها: العلم ليكون علمه حجة، والثاني التوكل حتى يكون له في العبادة فراغ ومن الخلق إياس والثالث. الصبر ليتم به العمل، والرابع: الإخلاص لينال به الأجر.