في بحث لها عن التخطيط المستقبلي في السنة النبوية ونموذج الهجرة وبناء الدولة الإسلامية تقول الدكتورة نوال عمر عبد الله باسعد الأستاذ المساعد في الحديث وعلومه بجامعة الملك عبد العزيز، فرع كلية البنات إن المتأمل لحادثة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة يجد أن التخطيط المستقبلي جزء من السنة النبوية، بل وجزء من التكليف الإلهي، الذي يطالب المسلم بالقيام به من باب الأخذ بالأسباب وهذا واضح من ابتداء الهجرة إلى نهايتها، ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها، رغم ما كان يكتنفها من صعاب وعقبات، لكن التخطيط ساعد في إنجاح الهجرة بأعلى المستويات، ولا غرابة فقد كانت هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حدثاً عظيماً في تاريخ الإسلام كله، ولم يشهد التاريخ له مثيلا، فالتخطيط كان أبرز أسباب نجاح حادثة الهجرة بعد معونة الله، ولاسيما مع وضوح الهدف المتمثل في حماية النواة الأولى من المسلمين لقيام الدولة الإسلامية.

وتضيف انه يمكننا أن نرصد معالم إدارة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأزمة في النقاط الآتية:

أولاً: التخطيط المستقبلي ووضع التدابير قبل حادثة الهجرة من خلال: تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم لإعداد أنصار له قبل الهجرة إلى المدينة، من خلال بنود بيعة العقبة الأولى والثانية، بعد أن ظل النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشر سنوات في مكة يعرض الإسلام على القبائل، ولم يجد من أهلها إلا الاستجابات الفردية، والعداوة الجماعية، حتى أذن الله أن تأتي النصرة له من خارج مكة، فإذا به يلتقي بفئة من الأنصار، ستة نفر من الشباب، قليلي العدد، كثيري البركة، كتب الله على أيديهم التغيير، وكان ذلك في السنة الحادية عشرة من البعثة، ولما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلاً، فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة الأولى، وقد أكمل إعدادهم لما رجعوا المدينة بإرسال أول سفير في الإسلام إلى المدينة، وهو: مصعب بن عمير.

فلما حقق الهدف المنشود، عاد إلى مكة ليزف البشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المدينة أصبحت ذات قوة ومنعة، وانتشر فيها الإسلام، وفي العام الثالث عشر في موسم الحج، حضر من الأنصار بضعة وسبعون رجلاً ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، فخطط لاجتماع الأنصار به صلى الله عليه وسلم في سرية تامة من حيث الحركة واللقاء والخروج المنظم، وكذا في تحديده للزمان أو المكان، وهكذا لم يهاجر إلى المدينة إلا وقد أعد سنداً له فيها.

ثم كان في تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم لاعداد المهاجرين والتمهيد لهم بالهجرة، فكان لهذا التخطيط سمة التدرج،