قال الشيخ: هذه نوافذ إيمانية كما سماها صاحبها الشيخ سعيد النورسي التركي، نرافقه بها وهي تعزف على أوتار القلوب وتحاور العقول في الوقت نفسه، كأنه بها أراد أن يخاطب الإنسان بوصفه كلاً، عقلاً ووجداناً، وصولاً به إلى محراب الإيمان والسجود بين يدي الله تعالى الخالق والبارئ والمصور، والظاهر في كل شيء وقبل كل شيء، ليست هذه النوافذ من قبيل الجدل العقلي الذي قد يروق لبعض أو لا يروق لبعض آخر، بقدر ما هي تسبيحات امرؤ انفتح على الكون ببصر وبصيرة سليمين، فإذا به أمام دلائل وإشارات، وآيات بينات، تلزم من أراد الحجة، وتسكر القلوب المحبة لذي الجلال والكمال الذين لا يحدان.
حاجات مقضيه
ونبتدئ اليوم بالنافذة الأولى، وهي نافذة الافتقار، يقول النورسي: نشاهد في الموجودات جميعها ولا سيما الأحياء منها افتقاراً إلى حاجات مختلفة ومطالب متنوعة لا تحصى، وان تلك الحاجات تساق إليها من حيث لا تحتسب، وتلك المطالب تترى عليها كل في وقته المناسب، علماً بأن أيدي ذوي الحاجة تقصر عن بلوغ أدنى حاجاتها فضلاً عن أوسع غاياتها ومقاصدها.. فإن شئت فتأمل في نفسك تجدها مغلولة الأيدي إزاء كثير مما يلزم حواسك الظاهرة أو يشبع رغباتك الباطنة، فقس على نفسك نفوس جميع الأحياء وتأمل فيها، تجد أن كل كائن منها يشهد بفقره وحاجاته المقضية من غير حول منه ولا قوة على الواجب الوجود، ويشير بهما إلى وحدانيته سبحانه وتعالى، كما يدل عليه بمجموعه كدلالة ضوء الشمس على الشمس نفسها، ويبين للعقل المنصف أنه سبحانه في منتهى الكرم والرحمة والربوبية والتدبير.(النوافذ 8).فلعل الإنسان الذي يتربع على قمة المخلوقات من حيث الوعي والشعور هو أكثر كائن اغتر أو يغتر بما يظنه قدرات فيه ومنه، مع أن نظرة إلى تركيب جسده وعمل أجهزته ونمو عقله وقواه تشهد بعجزه الكامل عن شيء من كل هذا في الوقت الذي تلبى فيه حاجاته وتنال مراداته وتتحقق متطلباته من حيث لا يدري ولا يعي، لقد بني الكون وما فيه من كائنات جامدة وحية فيه على قاعدة الافتقار، وسد الحاجة في كل الأحوال مع صعوبته ودقته إنما يحدث بكل يسر وسهولة يصعب تصديقهما أحياناً، ومن دون سعي أو قصد من ذوي الحاجات، فكما يجد المولود ثدي أمه في انتظاره ليمده بما يشبع ويروي ويغذي وينمي دون قصد منه ودون سعي تلتقم كل الحاجات فينا وفي غيرنا من الكائنات أثداء موهوبة لا يمكن أن تكون ابنة الصدفة أو سليلة الفوضى، النمو الحركي والعصبي في الإنسان وغيره لا يعتمد على وارد البيئة أبدا، وحتى البيئة فقد رتبت بحيث تكون موارة بالهبات مما يحتاج إليه كل كائن و بغنى وخصوبة وإتقان لا يمكن إلا أن يشير إلى واهب قادر ومعط كريم، حتى البيئة الداخلية في أجسامنا فان فيها مما يفي بالحاجات ويحقق المطالب وكل ذلك دون تدخل من أحد.
القدرة الذاتية
فالأوكسجين الموجود مثلا في الهواء حولنا عطية كريمة لا يستطيع واحد منا أن يتخلى عنها أو يستبدلها بغيرها، والأوكسجين الموجود في دمائنا محملا في الكريات الحمراء بتقنية بديعة مما يغذي الخلايا وينعشها لا دخل لأحد في اصطناعه ولا يملك أحد أن يستغني عنه، وهذا مثال إلى جانب ألف ألف مثال عن حاجات تؤدى ومطالب تتحقق وغايات يتم بلوغها دون وهم القدرة الذاتية التي قد نغش بها أنفسنا وغيرنا، وخذ عندك مثالا مريض الربو، عافانا الله، كيف يؤدي الخلل في أعضائه إلى حاجة مكشوفة لا غطاء لها ولا تلبية إلى الهواء. ألف ألف امرء يتنفس بيسر عجيب ويظن أنه أكبر من الافتقار، والآن إن كنا بشراً وحيوانات ونباتات وحتى جمادات نملك آلاف الحاجات، ولا نملك لواحدة منها تلبية بيد واحد منا، ثم إننا نجد أن هذه الحاجات تلبى بفيض كريم، وبدقة وإتقان محكمين، وبالوقت المناسب، والمكان المناسب، والحال المناسب، دون تقديم ولا تأخير، مع وجود قليل من تخلف عن هذه السنة العامة ليشير إليها ويذكر بها، ألا يدل ذلك على كريم خلق فسوى وقدر فهدى، لنذكر إذاً أن نافذتنا الأولى للإيمان هي الافتقار.
