خلق الله الناس ليعبدوه وأوجدهم في الدنيا ليطيعوه ويتقوه وفي عبادته خيرهم وفي تقواه سعادتهم وخلاصهم فالمؤمن يسير في كل أموره بما يرضي مولاه ويرجع في كل شؤونه لأوامر الله ولو غضب عليه الناس وكرهوه بل وإن آذوه واحتقروه فالناس لا يعجبهم إلا أن تفعل ما يشتهون وتعمل ما يريدون ولو كان في ذلك غضب خالقك وسخط مولاك.

وللناس منكرات ألفوها ومحرمات تعودوها وجرائم ارتكبوها استباحوا الأعراض وانتهكوها وصارت الخمر عندهم كالماء فشربوها واستثقلوا العبادات فتركوها وكرهوا المساجد فهجروها فلا يرضون عنك إلا إذا شاركتهم في عوائدهم وجاريتهم في ضلالهم ولو كان في ذلك غضب الرحمن وسعير النيران.

فكيف ترضى الخلق بعصيان الخالق وطريق الله صراط مستقيم وطريق الخلق معوج سقيم كيف تلتمس رضا الناس بسخط الله وهو المتصرف في الملك كلمته النافذة وأحكامه ماضية فكيف تتملق للخلق وتخشاهم وهم عبيد مثلنا ضعفاء عجزة أذلاء ولا تخشى الخالق وقدرته محيطة بالجميع.

المخلص يسعى إلى إرضاء الله سواء سخط الناس عليه أم رضوا عنه لأن الناس لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولن ينفعوك إلا بما كتبه الله لك ولا يضرونك إلا بما كتبه الله عليك (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة).

الناس دنياهم محدودة فانية والله عنده الآخرة ممدودة باقية أترضى أصحاب الفناء والعدم وتغضب صاحب البقاء والقدم نرى البعض يتودد للرؤساء ويتزلف للعظماء بما يغضب الله ويوجب عقابه ويدفع رحمته في سبيل وظيفة أو مال أو رتبة أو جاه وما علموا أن الله قد يحرمهم مما يريدون ويمنع عنهم ما يطلبون فيرجعون وقد خسروا الدين والدنيا فلا وظيفة أصابوا ولا خالقاً أطاعوا (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون).

ونرى بعض الناس يغضبون على الواعظ إذا بين للناس قبح عوائدهم وأخلص لهم النصح في دينهم ويسخطون على الخطيب الذي يبين أسرار الشريعة ويلفتهم لآدابها ومبادئها وينبههم إلى ما دخل على الدين من محدثات وبدع وما نسب إليه من خرافات وزيغ وأضاليل كرها منهم للحق وتألماً من مرارة الصدق ودينه يأمره بأن يبرئ ذمته ويؤدى واجبه ويرضى دينه وخالقه وإن سخط عليه الجاهلون وتقول عليه الأفاكون وإلا صار كاتماً للعلم مخفياً لدين أمر الله بإظهاره مقراً للبدع وقد كلف بمحاربتها مسايراً لأهواء الناس والله يقول: «ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن».

ما أضاع الدين إلا مجاملة الوعاظ للجماهير الهائمة وما أفسد الصالح إلا التزلف والمحسوبية وإرضاء الرؤساء بما يغضب المولى ما أضل الناس إلا سكوتهم المنكر مجاملة لبعضهم ونسياناً لربهم وما أنزل البؤس والشقاء بالمسلمين إلا الجبن والتملق ومحاربة

المخلصين ومعاكسة المرشدين .

فعلامة الإيمان الحق أن تدافع عن الحق ولو غضب الخلق وأن تخلص النصح للمسلمين غير عابئ بسخط الجاهلين وأن تكون أوامر الله مقدمة على أوامر العباد وأن يكون كلام الله أول ما يسمع ويطاع.

واعلموا أن رضا الناس مستحيل فإنهم مختلفون في عقولهم متفاوتون في أفكارهم وأهوائهم، فاتقوا الله يا عباد الله وتمسك بالحق وقل كلمة الصدق في شجاعة ووفاء ولا تبال متى أرضيت مولاك بغضب من عداه فلا يغضب من الحق إلا أعوان الشيطان عبيد العادات والأهواء.