قال الشيخ:عندما يتصلب سلوك المعصية أو سلوك الخمول ويتحول إلى عادة لا بد من الإحساس أولا بالخطر، لأننا والحال هكذا نكون قد اعتدنا على الجرأة على الله عز وجل، وبعض الناس يفيدون من مواجهة سلوكهم المعتاد عليه بمعلومات ترهيبية صادمة عن خطره عليهم في الدنيا والآخرة، وان كان كثيرون غيرهم يحتاجون إلى مساندة أو دعم يجب على الدعاة ألا يدخروه عنهم للتخلص من عاداتهم مما يغضب الله ورسوله.
وأثر الترهيب أو الوعيد مقرر من الناحية الإرشادية النفسية مع أن كثيرين منا اليوم يحاولون تجنبه، وهو واضح في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بل إن المربين لا يستغنون عنه في حال من الأحوال بالإضافة إلى القصاص والعقاب الفعلي، وفي رأينا أن عزوف أكثر الدعاة اليوم عن خطاب الوعيد لعب دورا هاما في تمييع الأحكام والتفريط في العزائم وارتكاب المنكرات، من هنا لا بد من إعادة تقرير دور الترهيب كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والله أعلم بعباده وما ينفع لهم.
والإقلاع عن سلوك المعصية أو الخمول المعتاد عليه لا يمكن أن يتم تدريجيا لأن المرء مادام يمارس شيئا منه لا يقدر على مقاومته أو الإقلاع عنه، وفي الوقت نفسه فإننا نرى الاستعاضة عنه بسلوك محبب إلى النفس مما يميل إليه صاحبه أكثر من العزائم والواجبات التي لا تكون والحال هذه قد اكتسبت طعما لذيذا أو قريبا بعد، وهذا يعني أن الأفضل في الانتقال من السلوك العاصي إلى سلوك الطاعة أن يقسم إلى قسمين حسب الطاقة والقدرة، القسم الأول هو الإقلاع عن سلوك المعصية وممارسة أي سلوك آخر من المباحات المرغوب بها والقسم الثاني الانتقال من المباح إلى أعمال التقرب إلى الله تعالى، وكثير من الدعاة إنما يحاولون اقتلاع العاصي من سياق المعصية إلى سياق العزائم مباشرة مما يمثل قفزة قد لا يقدر أي كان عليها.
ومثال ذلك أن شابا كان لا يقدر على النوم أن لم يغرق نفسه في تخيلات آثمة، وقد قدمت له المساعدة بأن يقوم بتخيل حدائق غناء ومياه وجبال وما إلى ذلك ضمن برنامج معير، ثم وبعد إقلاعه عن سلوكه الأول تم إدخال أدعية النوم وما إليها، وأن شابا آخر كان يمضي أكثر نهاره في المحادثة عبر الانترنت مع الجنس الآخر وقد قدمت له المساعدة باقتراح المحادثة في منتديات أخرى مع نفس الجنس وفي مواضيع مختلفة قبل انتقاله إلى سلوكيات أخرى كالمطالعة وطلب العلم وغيرهما، وباختصار لا بد في كثير من الحالات تجزيء الترشيد إلى انجاز الإقلاع عن السلوك غير المرغوب به ثم الانتقال إلى السلوك المثالي مما يحقق الغاية المرجوة.
لعل من الأمور الهامة التي يجب الإفادة منها هو إحساس أو دافع الانجاز عند المسلم الملتزم بالطاعات، فمن المعلوم أن أي إنسان لديه الرغبة بالانجاز وبتحقيق شيء والإفادة منه في أي وقت يمر عليه، أن العاصي أو الخامل يمر عليه الوقت وهو في أحسن الأحوال يشعر بضياعه وفقره أن لم يكن يشعر بأنه يهوي فيما سيكون وبالا عليه، أما الإنسان الممارس للطاعات فإنه يشعر بالانجاز والجمع والادخار للمستقبل (الدنيا والآخرة)، لا بد من الإفادة من هذا المعنى عند كثيرين في صرفهم إلى الطاعات حيث يتحول الزمن إلى كنز يستثمر عند من يمر عليه وهو من أكثر ما يحقق حالات متقدمة من الرضا النفسي عند الناس.
ولابد من مراعاة عمر المرء الذي توجه إليه المساعدة، فبعض الدعاة يتكلمون من واقع أعمارهم المتقدمة مع شباب بلغة قد لا يفهمها أو يقدرها هؤلاء الآخرون، وذلك لاختلاف الاهتمامات والقدرات وحتى الكفاءات الجسمية والنفسية، وهكذا فإن بعض ما قد يستسخفه الكبير أو يقلل من شأنه قد يكون الطاغي والمسيطر على من هو أصغر، ولنا في الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة من حيث حواره واستيعابه عليه الصلاة والسلام لكل الأعمار والعقول المتباينة، دون أن يكلم الناس من فوق الأبراج الروحية العالية كما يفعل بعض الدعاة اليوم.
