جاء الإسلام الحنيف؛ ليجمع المسلمين على كلمة واحدة، بل إن عبقرية الدعوة الإسلامية هي أنها دعوة لا تعرف الفرق ولا المصالح المتضاربة، وحتى الصلاة اليومية التي تجمع أبناء الأمة الإسلامية فهي شعيرة تتجدد يوميا، يتجمع فيها المسلمون صفوفا متراصة، وهو ما يتفق معه وكيل وزارة الأوقاف المصرية لشئون الدعوة الإسلامية الشيخ «سالم عبدالجليل» وفي نفس الوقت يصف الفترة الأخيرة في تاريخ العالم الإسلامي بأنها فترة حرجة في ظل ظهور تيارات عديدة على الساحة، وكلها تزعم امتلاكها الحقيقة المطلقة والدين الصحيح دون سواها من الحركات أو الجماعات الإسلامية، مؤكدا أن رسالة الإسلام وحدها وليست أفكار هذه الجماعات هي المظلة الواسعة التي يستظل بها كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلا.

أصول وثوابت

واعتبر «عبدالجليل» أن أجيال الصحابة والتابعين هم المشهود لهم بالخير والإيمان والصلاح وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين؛ لأن هذه الأجيال أقامت الدين على منهاج النبوة ومزجت بين العلم النافع والعمل الصالح فنالوا الخيرية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وكل من تمسك بهذا المنهج واستقام عليه يلحق بهم في الفضل؛ لأن الله تعالى يقول: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِيْنَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ}.

وأوضح وكيل وزارة الأوقاف أن الصحابة والتابعين قديمًا التقوا على الأصول والكليات والثوابت والقطعيات واختلفوا في بعض الفروع التي لا تخرج من الإيمان، وحتى في العقيدة فقد اختلف السلف الصالح في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، كما اختلفوا في بعض فروع الفقه، وهو ما يفرض على من يزعمون الانتماء إلى السلف الصالح أن يكون هذا الانتماء إلى المنهج الذي كانوا عليه وتنوعت فيه الآراء وتعددت فيه الأفكار؛ فظهرت المدارس الفقهية المختلفة كأبي حنيفة الذي غلّب العقل، وابن حنبل الذي غلّب النقل، وبينهما مالك الذي غلّب عمل أهل المدينة، والشافعي الذي نظر إلى المقاصد وأسس لعلم أصول الفقه وأخذ بالتجديد حسب ظروف المجتمع.

وهو نفس ما تؤكده د.آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية، والتي تشبه الفترة الحالية التي يمر بها العالم الإسلامي بأنها مثل الفترة التي جاءت بعد معركة صفِّين في القرن الأول الهجري بين الإمام علي، كرم الله وجهه، والخوارج، وهي الفترة التي أدت إلى انقسام المجتمع في تلك الفترة المبكرة إلى طوائف وفِرق، وعلى أثرها ظهرت «الأشاعرة والمعتزلة» وقبلهما «المُرجئة» التي ظهرت كرد فعل للخوارج.

وترجع «آمنة» ظهور تلك التيارات المتناقضة التي ترفع لافتات متضاربة ومتشددة إلى المتناقضات الفكرية والاتجاهات المتضاربة التي يعانى منها العالم الإسلامي، وهو ما يفرض على المؤسسات الدينية المعتدلة التصدي لمثل هذا الانحراف الفكري.

اتجاهات منحرفة

أما د.فوزي الزفزاف، وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية، فقال إن شر ما ابتليت به الأمة الإسلامية هو الفِرق والجماعات المختلفة، فهي تعمل على تفريق المسلمين ولا تجمعهم، كما طالبنا الله عز وجل بـذلك في كتابه العزيز حيث قال: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{، معتبرا أن سلوك بعض الجماعات يتضمن مغالطات تبث الفرقة، ويجب التصدي له من خلال بيان رأي الإسلام في المشكلات والموضوعات التي يعاني منها المسلمون، ونوضح حقائق الدين السليمة بعيدًا عن الفتاوى والاتجاهات المنحرفة، وذلك بالحسنى كما أوصانا ديننا الحنيف بقول الله تعالى: } ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{، وأن تكون المصلحة العامة هي السائدة وليس المصلحة الشخصية.

مشاكل اجتماعية

وطالب الزفزاف بضرورة العودة إلى الأصل في الخطاب الديني الذي يتميز بالسماحة ومخاطبة الناس في شئون دينهم ودنياهم وحل المشاكل الاجتماعية التي تعترض حياتهم، وعلى الخطباء الذين يعتلون المنابر ألا يقتصروا في خطابهم على موضوعات معينة، خاصة فقط بالأوامر والنواهي، ولا بد أيضا أن يتطرقوا إلى المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي ابتعدوا عنها، وعليهم أن يعالجوا مشاكل الناس والمسلمين كأمة وليس كأفراد، هذا هو الخطاب الديني كما يجب أن يكون، وهذا يعد مسئولية رجال الأزهر والأئمة والدعاة.

 

}وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{، بتلك الآية القرآنية بدأ د.مبروك عطية، الأستاذ بجامعة الأزهر والداعية الإسلامي، حديثه عن كثرة التيارات الدينية والنزعات ومدى خطورتها على بناء المجتمع، وقال إن علماء الدين الإسلامي يمتلكون مقومات الخطاب الديني التام والصالح لكل مكان وزمان والذي يتمتع بمبادئه الأساسية التي تتمثل في الوسطية والدعوة إلى عزم الأمور والربط بين السبب والمسبب وإعمال العقل والقلب معا، حتى نحيا حياة كريمة في ظل تيارات يتسع صدرها للجميع ومعالجة الأمور برفق، موضحا أننا في حاجة إلى خطاب مستنير يخاطب ويوجه الناس إلى الله بالرفق واللين، وهو خطاب قائم على التسامح والعفو، وفي نفس الوقت يكون هذا الخطاب بعيدًا عن حالة التخبط التي تعيشها بعض فرق الصوفية المغرقة في الكرامات أو السلفية الشكلية التي لم يتبقَ منها سوى الجلباب والنقاب واللحية.

أجندات خاصة

واتفق معه د.علي عبدالباقي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، قائلا إننا نمتلك خطابًا معتدلاً يمثله الأزهر الشريف الذي هو ملك لكل العرب والمسلمين وليس للمصريين فقط، ولكن التيارات الفكرية والحركات المتضاربة لا يصلح معها هذا الخطاب، فهم لا ينصتون إليه؛ لأن لديهم أجندات خاصة بهم وأهدافًا تغاير أهداف المجتمعات التي يعيشون فيها، وهو ما يفرض في الوقت نفسه أن يعمل أصحاب الخطاب الديني المعتدل على أن يوجهوا الشباب إلى أن الدين الإسلامي يسر وليس عسرًا؛ حتى لا يقع هؤلاء الشباب في شباك أصحاب الخطاب المتطرف وهو خطاب يفرق ولا يجمع ولا يفيد المجتمع في شيء.