تحت عنوان «نصوص قواعدية من السنة النبوية لإدارة الأزمات-عرضاً وتطبيقاً» أوضح د. محمد يحيى بلال الأستاذ المساعد في الحديث وعلومه أن موضوع إدارة الأزمات وإن كان تناوله غير واحد من الباحثين من خلال السنة النبوية، وتطرقوا في تلك البحوث إلى بيان أن أصول هذا الموضوع وجذوره موجودة في السنة المطهرة، إلا أن الذي يهدف إليه هذا البحث هو عرض هذا الموضوع في السنة النبوية (عرضاً قواعدياً)، وذلك باختيار جملة من النصوص النبوية التي جاءت في (صيغ وقوالب قواعدية) دالة على أفكار وعناصرها إدارة الأزمات، فجُعلت تلك (النصوص القواعدية) منطلقاً لعرض الموضوع من خلالها نظرياً وتطبيقياً. هذه هي الميزة الجوهرية التي تبدو أنها من الجديد الذي يختلف فيه هذا البحث عن غيره من بحوث هذا الموضوع.
وقال إنني اخترت في البحث سبع قواعد من السنة النبوية لإدارة الأزمات مع تطبيقاتها، كما يلي:
القاعدة الأولى: «لا عقلَ كالتدبير». هذه القاعدة تُعبِّر عن عنصر أساسي في إدارة الأزمات، وهو التفكير في عواقب الأمور قبل الإقدام عليها ليمكن بذلك اجتنابُ مخاطر الأزمات وعدمُ الوقوع فيها.
ومن تطبيقاته في السنة النبوية: عدم إقدام النبي صلى الله عليه وسلم على إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام، خشية استنكار قريش لذلك. ومن تطبيقاته أيضا: حلّه صلى الله عليه وسلم ـــ قبل بعثته ـــ لمشكلة وضع الحجر الأسود التي تنازعت فيها قبائل قريش، وأدّت إلى نشوب أزمة خطيرة بينهم. فكلتا الواقعتين تدلان على كمال عقله صلى الله عليه وسلم وموهبة التفكير الحصيف لديه لتجنب مخاطر الأزمات.
القاعدة الثانية: «لا تستشرفوا البليّة»: مفاد هذه القاعدة أن على الإنسان أن يكون ذا تفكير إيجابي حَسَن الظن بالله، يتوقع الخير ولا يتوقع البلايا والأزمات. وهو التفكير الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويسميه بـ (التفاؤل).
ومن شواهده التطبيقية في السنة قوله صلى الله عليه وسلم في رحلة الطائف بعد أن لقي ما لقي من الأذى وعَرَض عليه مَلَكُ الجبال أن يُطبق عليهم الأخشبين: «بل أرجو أن يُـخرج الله من أصلابهم مَنْ يعبُد اللهَ وحده لا يشرك به شيئاً». إنه جواب كله تفاؤل وأمل، واستشراف عميق للمستقبل. وفي خضم أحداث غزوة الخندق، انطلق صوته الكريم بالتفاؤل: «والذي نفسي بيده ليُفرَّجَنّ عنكم ما ترون من الشدة...». ومن تطبيقات هذا العنصر في وقوع الأزمة حسب توقع صاحبها: قصة الأعرابي الذي كان مريضاً وعاده النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له بالشفاء، فردّ الأعرابي ذلك وتوقّع أن تكون تلك الحُمّى تصرعه ميتاً، فكان الأمر كذلك.
القاعدة الثالثة: «ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يَملك نفسَه عند الغضب». هذه القاعدة تُعبِّر عن مبدأ الضبط والتحكم. ومعناه أنه ينبغي على المرء الواقع في الأزمة أن لا يتصرف تصرفاً انفعالياً طبقاً لمشاعره بما لا يكون في صالح حلّ الأزمة، وإنما يبدأ أولاً بمقاومة مشاعره غير المنضبطة، وبعد ذلك يبحث عما ينبغي عمله بهدوء ورباطة جأش وبإيجابية.
ومن أهم شواهد هذه القاعدة: صلح الحديبية، إذ أعطى النبي صلى الله عليه وسلم فيها نماذج رائعة في ضبط النفس والسيطرة على المشاعر. كما أن قصة الطائف السابقة الذكر تُعدّ أيضا نموذجاً فريداً لتطبيق هذه القاعدة في الأزمات.
القاعدة الرابعة: «ما خُيِّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أَيْسَـرَهُـمـا». هذا النص يُعبِّر عن مبدأ مرونة التفكير، الذي يُعدّ من ضرورات إدارة الأزمات. وتعني هذه القاعدة: أن لا يقتصر الإنسان في تعامله على جانب واحد من جوانب الحق لا يتعدّاه إلى غيره من الجوانب، وإنما تكون عنده موهبة الاستجابة العقلية التي تمكّنه من التكيف الإيجابي مع مواقف الحياة المختلفة، ولكن كلُّ ذلك ضمن الثبات على المبدأ، أما إذا وصل الأمر إلى التخلي عن المبدأ نفسه والتنازل عنه كليةً فلا مرونة حينئذٍ. وخيرُ مثالٍ محسوس يوضح هذا المعنى، الحبلُ المفتول من الحرير، فإنه يمكن ليّه كيفما أردتَ بكل سهولة، أما نقضُه من أساسه فمن الصعب بمكانٍ !
القاعدة الخامسة والسادسة: «ما خاب من استخار ولا نَدِمَ من استشار». هذان المبدآن: الاستخارة والاستشارة، كلاهما من الآليات المهمة التي تساعد في إدارة الأزمات بكفاءة وتُسهِّل مهمة اتخاذ قرار مستقبلي ناجح.
إن القيمة الحضارية للمشورة (وهي الانفتاح على الآخرين) تكمن في أنها تدبير وقائي؛ لأنها تُعبِّر عن يقظة الفكر والخروج من الغفلة، وذلك من أهم مقاييس النجاح في الحياة. وقد تطور مبدأ التشاور في الواقع المعاصر بما يسمى بأسلوب (دِلْـفِي)، وهو الذي ينصح أهل الاختصاص بتطبيقه في دُور الإفتاء ومجامع الفقه الإسلامي.
أما الاستخارة فما جاء في دعائها من الجامعية البليغة في طلب النتائج الإيجابية بجميع حدودها ومعاييرها، وكذلك الحماية من الأضرار والسلبيات بجميع حدودها، يعطي لدعاء الاستخارة معنى (التخطيط المستقبلي، والتدبير الوقائي للأزمات) بشمولية لا يمكن أن يصل إليها إلا من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم. القاعدة السابعة: «الدعاء سلاح المؤمن». إن لفظ هذه القاعدة الحديثية تعبير بليغ عن كون الدعاء تدبيراً وقائياً لدفع كل مكروه ــــ ومنه الأزمات ــــ . إنه وإن كان المطلوب من المؤمن أن يلجأ إلى الله في كل حوائجه، إلا أن مواقف الأزمات تكشف عن الضعف الإنساني وتدفع العاقل إلى الوقوف بباب الله يطلب العافية ويرجو رحمة ربه، وعند ما يقف الإنسان في إطار ضعفه أمام ذي العزة والملكوت فإنه يعود مليء اليدين بالخير.
ومن جوامع الأدعية النبوية التي تنفع في الوقاية من الأزمات المستقبلية: «اللهم أَصْلِحْ لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها مَعَادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». وكذلك: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عينْ وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت».
ومن عجيب أمر «الدعاء»، أنه مع كونه سلاحاً عزيزاً لا يملكه إلا المؤمنون، فقد تنبّه له -في الوقت الحاضر- غير المؤمنين، وصار المنصفون منهم يتنادون به، ويتناصحون للتمسك به واللجوء إليه لدفع الأزمات والشدائد.
أما الشواهد التطبيقية لهذا المبدأ في عموم السنة النبوية، وبخاصة في الأزمات (كما في الغزوات)، فلا تخفى على أهل العلم. ومن فرائد تلك الشواهد في الأزمات، دعاؤه صلى الله عليه وسلم البليغ المؤثر يوم الطائف. فقد أَعقَب هذا الدعاءُ من الفرج بعد الشدة، ما هو معلومٌ مما أفاض على قلب النبي صلى الله عليه وسلم من سكينة وطمأنينة كان أحوجَ ما يكون إليها في مثل تلك الظروف الحَرِجة.
