وجد التشاؤم مع الإنسان من قديم واعتاد التطير من الأزل يتشاءم من نعيب الغراب وصياح الطائر وصراخ البوم وبعدها نذير الشؤم والمصائب والأحزان والكوارث والهموم يعزم على أمر ويشرع في تنفيذه وربما كان ضرورياً مفيداً نافعاً فيلقاه غراب يزعق أو بقرة لها خوار فيرجع عن عمله ويرتد في سعيه ويعدل عن عزمه متشائماً من صوت الحيوان متطيراً من صراخه معتقداً أنه مضى في عمله خاب وخسر وإذا صمم على أمره ضاع وهلك وهكذا يجعل شؤونه كلها معلقة بخوار بقرة ويتكل على إذن الغراب وصراخ الذئاب أو الكلاب وربما هم بالزواج فيعدل عنه امتثالاً لوهم سخيف وربما اضطر للسفر فيرجع لمجرد اعتقاده الغريب.
ولقد كان العرب أكثر الأمم تشاؤماً وكان العرب قبل الإسلام إذا أراد أحدهم أمراً ذهب إلى وكر الطائر يستنفره للطير ويزجره فإذا طار عن يمينه تفاءل واستبشر وذهب متيمناً. وإذا طار عن يساره تشاءم ونكص متطيراً حزيناً فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إزعاج الطيور وقال « أقروا الطير وكناتها» توارث الناس هذا الخلق السيئ خلق التشاؤم والتطير وها نحن نرى أغلب الناس متشائمين يخرج المرء منهم في الصباح لعمله فيرى جنازة أو شخصاً ثقيلاً أو منظر مؤثراً فيتشاءم طوال يومه ويمتلكه الحزن والغضب ويكثر خطوه وغلطه فينسب ذلك لتشاؤمه بما رآه صباحاً.
يخطب الرجل فتاة لزواجه أو يقصد استئجار منزل لسكنه أو محلاً لتجارته فيسمع صراخاً في معركة أو عويلاً على ميت أو يرى شخصاً يسقط على الأرض فيتشاءم ويعدل عن الزواج أو استئجار المنزل وهكذا تؤثر العقائد على أعمال صاحبها وأفكاره ويضر بالرأي ويبطل الأعمال والتدبير ولذلك حارب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاعتقاد وبين بطلانه وانتزعه من الرءوس حتى لا يفسدها وأراح منه العقول حتى لا يضلها فالتطير اعتقاد باطل ووهم مزعج قال صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيره ولا هامة ولا صفر» فلما يخلو شخص من التشاؤم خصوصاً الضعاف والكسالى الذين قعد بهم ضعفهم وأخرهم جبنهم ونزل بهم كسلهم وخورهم يؤمل الواحد منهم واليأس غالب عليه يرجو ويتمنى والخوف يقيد رجليه ولا يزال بين تردد وخوف وأمل ويأس حق يضيع وقته وتذهب الفرصة ويتقدمه الشجعان العاملون وهو بالطيرة عن خيبته ويغفل عن الله ومشيئته ويشرك الطيرة مع الله في قضائه وقدرته ويغلب عليه هذا الظن الأسود حتى يلازمه النحس والبؤس والشقاء ويصير التشاؤم له عادة حتى يلحقه بالانحطاط والبلادة وينسى التوكل على الله الذين يعين العاملين ويوفق المخلصين ويهدى الواثقين به المتوكلين، لأن الذين يستعينون بالصبر والصلاة والأسباب المشروعة والطرق التي يسرها الله لهم والنجاح قال صلى الله عليه وسلم:« كفارة الطيرة التوكل على الله»