بدأت التيارات الإسلامية السياسية في الظهور بعد ظهور الإسلام بفترة قصيرة، ويؤرخ العلماء أن بداية هذا الظهور كانت في نهاية عصر الخلفاء الراشدين، خاصة عصر الإمام علي بن أبي طالب، حيث ظهر «الخوارج»، وكانت هذه التيارات في بادئ الأمر قائمة على الخلاف السياسي، ولكن ما لبثت أن أصبغت خطابها السياسي بالصبغة الدينية وبدأت بعض التيارات ترى أن منهجها هو المنهج الإسلامي الصحيح وما عدا ذلك فهو باطل..
وبتزايد عدد هذه التيارات في الوقت الراهن إلى جانب تشدد بعضها واختلاف رؤيتها للإسلام، يؤكد علماء الإسلام أن استمرار هذا الاختلاف من شأنه أن يؤدى إلى مزيد من التشتت، فضلاً عن تزايد الصراعات بين المسلمين أبناء الدين الواحد.. ليبقى السؤال قائماً عن ماهية الإسلام الصحيح الذي يجب أن يتوحد خلفه المسلمون في ظل هذه التيارات المختلفة؟!
د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يرى بداية أن التيارات الدينية أياً كانت مسمياتها وتوجهاتها هي في النهاية مذاهب بشرية تحتمل آراؤها الصواب والخطأ شأنها شأن أي اجتهاد بشري لا يمثل بالضرورة صحيح الإسلام، موضحاً أن المرجعية المعتمدة لصحيح الإسلام هي الأزهر الشريف.
وفي الوقت الذي يحذر فيه كريمة من أن هذه التيارات تشكل خطرًا كبيرًا على الأمن العام للمجتمع، واتهمها بأنها تعلي من الطائفية وتهدر حقوق المواطنة وتشغل المجتمع بأمور بعيدة عن صحيح الدين.. أكد في المقابل أن الأزهر الشريف هو المؤسسة التي نأخذ عنها صحيح الدين الإسلامي بإجماع العالم، فهو صاحب خبرة ألف سنة في حسن فهم الإسلام وحسن عرضه، مؤكداً أن الإسلام الصحيح لا يعرف التعصب أو العنف وكل من يلجأ إلى العنف والتسلح لا يصلح لعرض صحيح الإسلام.
الكتاب والسنة
من جهته يقول د. عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن، إن الإسلام دعا كل مسلم إلى اتباع مرجعين أساسيين وهما الكتاب والسنة، فقد قال الله سبحانه وتعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي».
ويشير إلى أنه إذا كانت هذه التيارات تنسب نفسها إلى الإسلام الوسطي وتطبقه فهي على هدى من الله تعالى ويقتدي بها ويتأسى بها في نهجها وإن كانت بخلاف ذلك فينبغي أن تتوارى حتى لا تكون تيارات ضالة ومضلة للمسلمين، وأشار إلى أن هناك جماعات ملأت الدنيا صراخًا وعويلاً عن أن منهجها وأسلوبها هو ما سوف يحقق الرخاء والإصلاح، لكن ليس لديهم سوى الكلام ولم يقدموا أي شيء يثبت كلامهم على أرض الواقع.
وأكد إدريس أن الله سبحانه وتعالى وصف الإسلام الصحيح بأنه الدين الوسط الذي ليس فيه إفراط أو تفريط فقال تعالى في كتابه الكريم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} والوسط من الشيء هو خياره والإفراط والغلو هو الذي نفَّر منه رسول الله طوال حياته، حيث قال «إن منكم منفرين»، فكان الرسول يدعوا الناس إلى أن يطبقوا منهج الإسلام ليرغبوا الناس في الإسلام؛ لهذا كان الرسول رحيمًا رفيقًا يدعو إلى الرفق والرحمة، والدليل على هذا الأحاديث الكثيرة عن رفق النبي بأصحابه، ولهذا وصفه الله بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ}.
فهذه الغلظة التي يحملها البعض من أصحاب اللحى على أنها نهج لهم في الدعوة في زماننا هذا، هي سبب الانطباع الذي يأخذه الكثيرون عن أن الإسلام هو دين العنف وإراقة الدماء، والإسلام بريء كل البراءة من هذه التهم.
وأشار أستاذ الفقه المقارن إلى أن الإسلام ليس بالضرورة هو سلوك أصحابه وأتباعه وإنما هو هدى ونور ومبادئ أرساها وحي السماء إلى الأرض، ومن المسلمين من يطبقها ومنهم من لا يطبقها، فالإسلام ليس السلوك المتشدد أو المسيء وإنما المنهج الذي وضعه رسول الله المملوء بالرحمة والرفق والتعاطف.
للناس أجمعين
وهو ما اتفق معه د. أحمد عبدالرحيم السايح، أستاذ العقيدة والفلسفة، الذي يقول إن هناك تيارات إسلامية ترى أنها على الحق وما عداها فهو على باطل، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في صحيح البخاري «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم».
وأضاف أن الإسلام جاء للناس جميعاً ولا يوجد به تيارات أو اتجاهات، مشيراً إلى أن المسلم هو من يعمل لمصلحة المسلمين وأن الرسول قال «خير الناس أنفعهم للناس» أي أن يكون الإنسان نافعًا ومفيدًا للمسلمين.
وأكد السايح أن الإسلام إنما جاء للناس أجمعين، حيث تكرر النداء بــ«يأيها الناس» 140 مرة في القرآن الكريم، وهذا دليل على أن الإسلام والرسول جاءا للناس أجمعين، إذ يقول تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، فالإسلام دين رحمة للناس كافة.
