الأسرة المسلمة هي نواة المجتمع الإسلامي وكيانه وهي ركيزة تقدمه وأساس بنيانه، وبصلاحها وباستقامة أفرادها يصلح المجتمع الإسلامي في دنياه وأُخراه، ولن يكون هذا التقدم إلا باتباع منهج قويم وتخطيط سليم وقدوة حسنة ونموذج أخلاقي نهتدي بهديه ونتبع منهجه... ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا ومنهجنا وهو الذى يقول:
ز س .
الصبر خلق الأنبياء
ضرب أنبياء الله -صلوات الله عليهم- أروع الأمثلة في الصبر وتحمل الأذى من أجل الدعوة إلى الله، وقد تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، المشاق في سبيل نشر الإسلام، وكان أهل قريش يرفضون دعوته للإسلام ويسبونه، ولا يستجيبون له، وكان جيرانه من المشركين يؤذونه ويلقون الأذى أمام بيته، فلا يقابل ذلك إلا بالصبر الجميل.
يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وتحمله للأذى:
(كأني أنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي (يُشْبِه) نبيّاً من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ضربه قومه فأدموه (أصابوه وجرحوه)، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:
(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). متفق عليه.
وقد وصف الله -تعالى- كثيراً من أنبيائه بالصبر، فقال تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) الأنبياء: 85-86
وقال الله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) الأحقاف: 35 وأولو العزم من الرسل هم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد -عليهم صلوات الله وسلامه.
وقال تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأُوذوا في سبيلي حتى أتاهم نصرنا) الأنعام: 34
وقال تعالى عن نبيه أيوب: (إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب) ص: 44 فقد كان أيوب -عليه السلام- رجلا كثير المال والأهل، فابتلاه الله واختبره في ذلك كله، فأصابته الأمراض، وظل ملازماً لفراش المرض سنوات طويلة، وفقد ماله وأولاده، ولم يبْقَ له إلا زوجته التي وقفت بجانبه صابرة محتسبة وفيةً له.
وكان أيوب مثلاً عظيماً في الصبر، فقد كان مؤمناً بأن ذلك قضاء الله، وظل لسانه ذاكراً، وقلبه شاكراً، فأمره الله أن يضرب الأرض برجله ففعل، فأخرج الله له عين ماء باردة، وأمره أن يغتسل ويشرب منها، ففعل، فأذهب الله عنه الألم والأذى والمرض، وأبدله صحة وجمالاً ومالاً كثيراً، وعوَّضه بأولاد صالحين جزاءً له على صبره، قال تعالى:
(ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب) ص: 43
فضل الصبر:
أعد الله للصابرين الثواب العظيم والمغفرة الواسعة، يقول تعالى:
(وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة: 155. ويقول: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر: 10
ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما أُعْطِي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر)
ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نَصَبٍ (تعب) ولا وَصَبٍ (مرض) ولا هَمّ ولا حَزَنٍ ولا أذى ولا غَمّ حتى الشوكة يُشَاكُها إلا كفَّر الله بها من خطاياه)
أنواع الصبر
الصبر أنواع كثيرة، منها: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على المرض، والصبر على المصائب، والصبر على الفقر، والصبر على الأذى.
الصبر المكروه:
والصبر ليس كله محموداً، فهو في بعض الأحيان يكون مكروهاً. والصبر المكروه هو الصبر الذي يؤدي إلى الذل والهوان، أو يؤدي إلى التفريط في الدين أو تضييع بعض فرائضه، أما الصبر المحمود فهو الصبر على بلاء لا يقدر الإنسان على إزالته أو التخلص منه.
فاللهم اجعلنا من الصابرين في غير ذل، ومن الحامدين الشاكرين في كل وقت..
