قال الشيخ: في حديثنا عن سلوكات الخمول وهي كل سلوكات تقعد بالمرء عما يعتبره هو نفسه هاماً ومستحقاً للهمة العالية في الإقبال على الله تعالى، وسلوكات العصيان وهي السلوكات التي تنطوي على مخالفة للأوامر والنواهي الشرعية ، نتوقف عند هذين النوعين من السلوك بعد أن يتصلبا ويتحولا إلى عادة عند صاحب كل منهما ، ذلك أن التكرار والاعتياد يرسخ هذين السلوكين ويجعلهما قريبين إلى أن يكونا آليين لا يخضعان للتفكير أو الترشيد ، وهنا لا بد من محاولة إيجاد منفذ أو مخرج من كل من هذين السلوكين والاعتماد النفسي أو العضوي عليهما.

لا بد هنا أن نشير إلى أن الإنسان ليس عقلً ا بقدر ما هو نفس، فكثيراً ما نتصرف في الحياة بصورة مخالفة لمعتقداتنا العقلية، كثيراً ما نرتكب ما نعتقد عقلًا أنه لا يصح أو أنه خطر كبير على دنيانا أو آخرتنا ، كثيراً ما نضيع فرصاً هامة ومثمرة لما فيه خيرنا وخير من حولنا ، وبالتالي فإن (الوعظ) الذي يتعامل عادة مع العقل قد لا يجدي في حالات كثيرة لأن المشكلة ليست في (القناعة) العقلية بقدر ما هي مشكلة استعداد نفسي وهمة على الفعل أو تركه.

النقطة الثانية الهامة هنا هي أننا بصدد معالجة سلوكات تمثل جزءاً من جهاز شخصي جسدي نفسي عقلي كامل، وأن هذه السلوكات قد تحتاج من أجل إلغائها أو تعديلها إلى تعديل النظام العام للجهاز الشخصي أكثر من محاولة حصار سلوك واحد أو محاولة نفيه أو إلغائه.

ومثال ذلك الاستيقاظ على صلاة الفجر، إذ من المعلوم الأهمية الشرعية الفائقة لأداء صلاة الفجر في وقتها ، دون تأجيلها إلى ما بعد شروق الشمس، وأذان الفجر يقرر ذلك: (الصلاة خير من النوم). لعل المرء عندما يصله صوت الأذان أو المنبه أثناء نومه يكون في حال أقرب إلى غياب الوعي وحضور ما قبل الوعي أو اللاوعي. وهذا يعني أننا في حال أقرب ما يكون إلى غياب العقل والإرادة ، الموقف النفسي هنا يتضح تماماً، إذ ان النفس (الكلية ) التي زكاها صاحبها ستستيقظ ، في حين أن النفس القاصرة أو المدساة ستدفع صاحبها إلى النوم دون أن يكون هنا فسحة كافية من الوقت أو القدرة للفعل العقلي القرار العقلي الواضح - أو الإرادة .

يتضح هنا إذن أن معالجة بعض سلوكات الخمول أو العصيان يحتاج إلى تدخل في تعديل النظام الفكري والنفسي والجسدي الكامل للشخص، ألا ترى معي أن الزيادة الجسيمة في الوزن كثيرا ما تؤدي إلى سلوكات خمول قد تضيع فرصاً كبيرة للثواب واستثمار الأوقات فيما ينفع النفس والناس.

من جهة أخرى كثيراً ما تعوم مشكلات سلوكات الخمول والعصيان فوق سطح فوضى عارمة شخصية وعدم تقدير لقيمة الأوقات، هناك ما يمكن تسميته بالصفة الاجترارية للسلوكات العاصية أو الكسولة ، وهنا لا بد من معالجة المشكلة الرئيسة قبل محاربة سلوكات محددة ، والمشكلة هنا في معنى الحياة وما يريد منها صاحبها . فعندما يتضح هذا المعنى وتوضع الأهداف يسهل ترشيد أي سلوك يعوق تحقيق هذا المعنى وهذه الأهداف.

إن أخطر ما يمكن أن ينال الفرد هو أن يتحول العيش أو فعل الحياة إلى فعل ألي لا يحتاج إلى أي مبرر أو غاية أو هدف . ففي مثل هذه الأحوال تنعدم الأهداف العامة وتظهر الأهداف الجزئية واليومية والساعية ، و هي أهداف غالبا ما تكون ارتجالية بنت الانفعال والشهوة والغضب وما إلى ذلك ، في مثل هذا لا يمكن لمحاربة سلوك معين أن تؤتي ثمارها ، ولا بد من إعادة بناء الشخص بالكامل وتحديد أهدافه ومراميه الكلية ليتسنى له وضع خريطة عامة لسلوكه فيما بعد تناسب ما ارتضاه لنفسه في حياته؟

لا بد أيضاً من تربية الإرادة ، فالانتهاء عن سلوك معا سيما بعد تأصله كعادة عند صاحبه يحتاج إلى إرادة قد يفتقدها كثيرون بسبب الحياة اللينة المرنة، وللإرادة طرق في تربيتها يمكن الحديث عنها فيما بعد ، ولكنني سأذكر الصيام هنا كخير مثال قريب على تنمية الإرادة والعزيمة ، ألا ترى معي نصيحة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لمن لا يستطيع الزواج بالصيام ؟ لما فيه من المران على الامتناع ونهي النفس وصرف تطلعاتها إلى السماء.