تظل الأسرة في أمن وهدوء، وينعم أفرادها بالحياة حتى تصاب بجار أو قريب أو صديق اعتاد الحديث بحق وبغير حق في سير الناس والأسر، حتى لو أدى ذلك إلى الفضائح وتشويه سمعة الأبرياء، الأمر الذي يهدد استقرار الأسر، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على خبث الطوية ودناءة النفس، ونسي هذا الصنف الذي يتسلى ويقضي وقته أو معظم وقته في الحديث بالباطل عن الشرفاء.. نسي أن استحلاله أعراض الناس نوع من الربا. روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أتدرون أربى الربا عند الله؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امريء مسلم، ثم قراء (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) الأحزاب 57).
هذا الصنف العياب تجده إذا جلس في مجلس وكان في نفسه شيء نحو أسرة من الأسر بدأ بإلصاق العيوب عن عمد للزوجة المخلصة لزوجها ولمن تتعامل معهم، الزوجة التي تراقب ربها في كل ما تقوم به، ولم يسلم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيذاء هذا الصنف المؤذي كمسطح الذي كان يتفق عليه أبو بكر رضي الله عنه لقرابته منه، ولكن ولدناءة نفسه تعرض بالإفك للسيدة الطاهرة السيدة عائشة رضي الله عنها إلى أن نزلت براءتها من فوق سبع سموات. وقال تعالى: (إ، الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم.. الآيات (صور النور 11).
ركبت القطار مع مجموعة من الناس يقيمون في نفس البلد الذي أعيش فيه، وما أن تحرّك القطار حتى وجدت أحدهم بدأ الحديث بقوله أتعرفون بأن زوجة فلان لم تترك حاجة ولا داجة إلا فعلته، أي ارتكبت الصغيرة والكبيرة ، فقلت له: يا أخي اتق الله في الناس، إن من تتحدث عنها هكذا لم نسمع عنها شيئاً يشينها وتتمتع بسمعة طيبة في البلد، لماذا تشويه سمعة السيدة بهذا الشكل القاسي؟ هل لو سمعت زوجها بما تقول عنها، فإنه سيقدم على طلاقها، ماذا تستفيد من وراء ذلك؟ فيقول لأنها وقفت ضدي في زواجي من ابنتها. فقلت: يا سبحان الله، من أجل ذلك تقول أو ترميها بأبشع الألفاظ وتتهمها في شرفها؟.. فطلبت منه أن يكف الحديث عنها وعن غيرها، وقلت له كيف تستطيع أن تثبت باطلاً عند الله تعالى؟ وكيف تتنصل من تبعته يوم القيامة.
قال تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (النور 19).
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال.
والحقيقة أن الإنسان يتألم أشد الألم عندما يسمع عجرفة الذين يتسلوّون في أوقات فراغهم أو في العمل أو في أثناء الزيارات بتتبع عورات الناس، فهذا ولا شك يسبب كثيراً من المشكلات ويؤدي إلى تقطيع الصلات وتمزيق الروابط بين أفراد الأسر.
والمصطفى صلوات ربي وسلامه عليه يقول: لا يدخل الجنة نمّام.
قيل النمّام: هو الذي يكون مع جماعة يتحدثون فينقل عنهم. والقتات: هو الذي يتسمع عنهم من حيث لا يشعرون ثم ينم عنهم.
ومن آداب الإسلام التي شرعها لحفظ العلاقات واتقاء الفرقة تحريم النميمة، لأنها ذريعة إلى تكدير صفو الحياة ومدعاة إلى تغيير القلوب.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذِكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول: فقد بهته.
