لم يأتِ الإسلام ليضع أمام المـسلمين عـوائق تمنعهم من الحياة طالما أنهم في حياتهم لا يخالفون شرعاً ولا يحلون حراماً أو يحرمون حلالاً، بل إن الإسلام هو الدين السماوي الذي جاء يحض المؤمنين به على الاستمتاع بالطيبات من الرزق طالما أن هذا الاستمتاع بطريقة شرعية وبدون أن يتخطى الحدود التي وضعها الله تعالى لعباده في إطار الفكرة العامة التي تضمنها التصور الإسلامي حول الخلافة في الأرض..
كتاب «الدين للحياة» لمؤلفه د. محمود حمدي زقزوق يتعرض لهذه القضية من خلال جوانب مهمة تمس الأفراد والمجتمعات وتشغل حيزاً لا يستهان به في فكر الكثيرين.. مؤكداً أن التدين سر بين العبد وربه، وأن هناك كثيرين يحسبهم الجاهلون المهتمون بالمظاهر الشكلية بعيدين عن الدين لكنهم في الحقيقة أكثر تديناً من بعض من يظهرون التدين الشكلي؛ لذلك يشدد على أن التدين هو علاقة تربط بين الإنسان وخالقه الذي لا ينظر إلى الصور والأشكال، لكن ينظر إلى القلوب والأعمال.
التفكر والتدبر
التفكر والتدبر هما جوهر رسالة الإسلام، وفي هذا الصدد يوضح المؤلف أن رسالة الإسلام جاءت في الأساس رحمة للعالمين، وهو ما نص عليه القرآن في قوله تعالى مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَة لِّلْعَالَمِينَ}، وعلى ذلك فالتمتع بمناهج الحياة والطيبات من الرزق من الأمور المقررة في الدين، وليس من حق أحد أيا كان أن يعطي لنفسه الحق في تحريم ما أحل الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}.
إلا أن الوقوف والتدبر والتفكر بما يؤدي للوقوف على أسرار القرآن تتطلب عقلاً رشيداً، ومن أجل ذلك وجدنا القرآن يدفع المسلمين دفعاً إلى السير في هذا الطريق، ويحضهم على استخدام كل قدراتهم العقلية في فهم جوهر هذا الوحي، ونرى هنا استخدام القرآن للفظ التدبر بدلاً من التفكر لمغزى لا يجوز أن يغيب عن الأذهان.. فهناك من غير شك فرق بين التفكر والتدبر، ففي لفظ التدبر معنى جديد يزيد على مجرد التفكر، فالتدبر في الأمر يعد تفكراً وزيادة، ذلك لأن التفكر يعني تصرف العقل بالنظر في الأدلة والظواهر الإنسانية والكونية، بينما التدبر يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو تصرف العقل بالنظر في عواقب الأمور.
وجهان لعملة واحدة
ويعرض المؤلف أيضاً لقضية مهمة قامت عليها الدعوة الإسلامية منذ بدايتها وهي قضية السعي إلى تحقيق العدالة بين الناس، وتحت عنوان «العدل وحقوق الإنسان» أكد أن العدل في كل الحضارات والأديان قيمة أساسية من القيم الكبرى التي ينبغي على الإنسان أن يسعى إلى تحقيقها في هذا العالم من أجل خير الإنسان وسعادته.. مبيناً أن العدل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان، فإذا كان الناس في أصل فطرتهم وخلقهم متساوين، فمن العدل أن تكون للجميع حقوق متساوية أيضاً على مستوى الأفراد والجماعات؛ لذلك لا يتحقق العدل إلا بكفالة كل الحقوق الإنسانية للجميع، ليتمتع كل إنسان بحقه في حياة حرة كريمة.
وعند التأمل في مفهوم العدل يتضح لنا أن له جانبين لا ينفصلان، إذ إن الإنسان في حاجة إلى العدل يطلبه ويسعى إليه، وفي الوقت نفسه العدل يحتاج إلى الإنسان من أجل تحقيقه والعمل على إقراره، ومن هنا فالعدل والإنسان وجهان لعملة واحدة.
وإذا لم يتحقق العدل في الدنيا فإن الدين يعطينا الأمل في أن الظالم لن يفلت من عقاب الله الذي يقتص للمظلوم من ظالمه، لكن ليس معنى ذلك أن نتوقف عن مكافحة الظلم بكل أشكاله: فالأمر بالعدل ورد في القرآن الكريم صريحاً غير قابل للتأويل، بل وصل الأمر إلى حد أن القرآن يأمرنا بأن نكون عادلين حتى مع خصومنا، كما ورد في الآية الكريمة: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى إلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أقرب
لِلتَّقْوَى}.
وينقلنا المؤلف للحديث عن الحرية والتعددية الدينية، قائلاً: إذا كانت الحرية الدينية أمراً مقرراً في الإسلام، فإن ذلك يعني الاعتراف بالتعددية الدينية في المجتمع الإسلامي، وقد أكد ذلك النبي عليه السلام في أول دستور للمدينة حينما اعترف لليهود بأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
ومن منطلق هذه الحرية التي يضمنها الإسلام كان إعطاء الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للمسيحيين من سكان القدس الأمان على حياتهم وكنائسهم، وألا يضار أحد منهم، ولا يرغم بسبب دينه.
التجديد والتغيير
أما بالنسبة لقضية تجديد الفكر الديني وهي القضية التي شغلت المسلمين باستمرار فقد تناولها الكتاب من خلال فكرة أساسية مفادها أنه لا تناقض بين تعاليم الدين وبين التجديد، فالنبي صلى الله عليه وسلم أول من تحدث عن التجديد في الدين بقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، وقد أسند القرآن الكريم التغيير إلى إرادة الإنسان في المقام الأول، وجعله شرطاً للتغيير الذي يحدثه بإرادة الله، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
واعتبر المؤلف أن أبرز مظاهر تخلف الفكر الديني إغلاق باب الاجتهاد وتعطيل العقل عن أداء دوره المنوط به في هذه الحياة، والتقليد الأعمى الذي أدى إلى تجمد الفكر الديني بطبيعة الحال دون مراعاة لاختلاف الظروف وتغيرات كل عصر، ومن مظاهر تخلف الفكر الديني أيضاً اختزال الإسلام في الشعائر التعبدية والحدود، وفصله عن الحياة والاهتمام بالمظاهر الشكلية، وكذا الاعتقاد في الخرافات.
ويرى المؤلف أن التجديد المطلوب يمكن أن يتحقق إذا تهيأت الظروف المناسبة له مع فتح باب الاجتهاد وتمكين العقل من أداء دوره كاملاً في الحياة وفهم الدين، فالعقل- كما يقول الشيخ محمد عبده- يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عرف بالعقل.
وأكد على ضرورة المصالحة بين الدين والعلم، فالإسلام كدين لا يعادي العلم ولا يصادم أي حقيقة علمية ولا يغيب عن الأذهان أن الآيات الخمس الأولى من الوحي القرآني لم تحدث الناس عن العقائد أو العبادات، إنما حدثتهم عن مفاتيح الحضارة.
ومن متطلبات التجديد في الفكر الديني، تمكين المرأة من أداء دورها الفاعل في الحياة، فالمرأة كائن بشري مثل الرجل، والنساء كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «شقائق الرجال»، وفي الآية الكريمة: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. كذلك إعادة النظر في المناهج التعليمية التي تساعد على تصحيح مسار الفكر الديني.. وأخيراً: إعادة النظر في فهم السابقين للحديث النبوي عن التجديد.
