قال الشيخ: لعل من المسائل التي يجب التدقيق فيها فيما يخص أسباب تأجيل التوبة والإقبال على العمل الصالح مسألة العادة والإدمان، والعادة هي كل سلوك يتكرر ويشبع حاجة أو يؤدي غرضا أو يحدث لذة، ثم انه مع التكرار يتصلب ويصبح عصيا على الكسر والتغيير، والحق أن كثيراً من سلوكياتنا اليومية تقع تحت عنوان العادة، بل إن بعض مشاق ما نقوم به لا يفسره إلا العادة وقوانينها، والبعض يرى أن العادة عندما تتصلب يكون وراءها نوع من الوصلات العصبية الحاصلة في الدماغ وغيره من أجزاء الجهاز العصبي، فنحن إذن أمام نوع من الإدمان أو الاعتماد العضوي أو النفسي على سلوكيات مورست وتصلبت وصارت جزءا من النشاط أو البرنامج الكلي للعمل عند صاحبها، وهنا لا بد من معالجة هذا الاعتياد أو الإدمان حتى يتمكن صاحبه من الخروج منه إلى العمل الصالح والانتهاء عما نهى الله عز وجل عنه.
ومن المعلوم أن بعض أنواع العقاقير أو المواد المخدرة كثيرا ما تحدث إدمانا عندما يستخدمها المرء ربما من المرة الأولى، إذ لا يسهل الفكاك منها بعد تجربتها، وبعض أنواع المعاصي قد تكون كذلك لا بد من الحيطة من الوقوع الأول فيها، فان وقع المرء واقترف واحدة منها وشعر بصعوبة التملص منها لا بد له من أن يطلب يد العون، ولا بد أن نقدم جميعا له العون كما نقدمه لمن وقع فريسة الإدمان، وأقول أن النظر في المعاصي أو في انحطاط الهمم على أنها من قبيل العادات المتصلبة ضروري من أكثر من وجهة، ولنضرب أمثلة على ذلك توضح المقصود، عدم الاستيقاظ لصلاة الفجر، الكذب، الغيبة، اطلاق البصر وعدم غضه، وصولا إلى الكبائر والفواحش ومنها ما هو خطر جداً، أن هذه السلوكيات يتضح فيها أثر العادة والاعتياد، ومثاله من أتى إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الزنا، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن حاور عقله بأن سأله: أترضاه لأختك؟ أترضاه لأمك...ثم وضع يده الشريفة على صدره ومسح عليه داعيا له فخرج من عنده وما من شيء أكره إليه من الزنا.
أقول إن هذا يعني أن الرجل أحس بقبح ما هو فيه ولكنه شعر أنه غير قادر على مغالبته، فطلب العون، وهذه نقطة هامة جداً في علاج الاعتياد أو الإدمان، ألا وهي شعور صاحب المشكلة بها وإحساسه بالرغبة في الخلاص منها، وهذا مقدور عليه بالنسبة لمن يريد مساعدته، فبيان بشاعة العادة وخطرها وأذاها الدنيوي والأخروي مما يساعد صاحب المعصية على اتخاذ موقف منها، ثم الدعاء وهو كثيرا ما يهمل هذه الأيام، فنحن ننشغل بالإدانة والتقريع والتقبيح عن الدعاء لصاحب المعصية بأن يصرف الله قلبه عنها ويمكنه من الدخول في الصراع مع الإدمان عليها، والنقطة الثالثة تقدير حجم المشكلة بدقة ومقدار التعلق ويكون ذلك بتقدير تكرار الوقوع في المعصية خلال اليوم أو الشهر والتعرف على الأثر الذي أو النفسي الذي تتركه المعصية من أجل الوصول إليه أو إلى ما يغني عنه من خلال سلوكيات أخرى، فللكذب أو الغيبة أحيانا وعلى سبيل المثال وظائف نفسية وتكيفية تؤديها عند أصحابها، وهنا لا بد من الوصول إلى تحقيق الغايات النفسية التكيفية الحسنة من خلال سلوكيات بديلة.
إن النظر في المعاصي أو سلوكيات الخمول على أنها من قبيل الإدمان أو الاعتياد يشير إلى نقطة هامة لابد من التنويه إليها، حيث كثيرا ما يعتمد تسويف التوبة أو الهمة على افتراض بأن الإقبال عليهما سيكون بمنتهى السهولة والعفوية، والحق أننا مع الإمعان في الخمول والعصيان نحن أمام حالة إدمان وتعلق تزداد مع الزمن، وحالة أستطيع تسميتها بعدم اللياقة الروحية أو الأخلاقية، ومعلوم أن عدم اللياقة أمر لا يمكن التغلب عليه في ساعة أو يوم، من هنا كان لا بد من الإقبال من اليوم على التغلب على المعاصي والميل إليها، فضلاً عن التخريب الذي تحدثه المعصية في الروح والجسم الأخلاقي للعاصي كما يحدث العقار التخريب في جسم وصحة المدمن والله أعلم.
