مما لا ريب فيه عند ذوي الألباب أن انصرام الدهور، وانقضاء الشهور جزء لا يتجزأ من أعمارنا، فبمضيها يفقد الإنسان مثلها من مدة بقائه في الحياة، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (ابن آدم طأ الأرض بقدمك، فإنها عن قليل تكون قبرك، ابن آدم إنما أنت أيام فكلما ذهب يوم ذهب بعضك، ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمك).
والكيس الفطن الذي يزرع في حياته الفانية ليجني ثمار ما زرع في الحياة الباقية، وإن خير ما فنيت فيه الأوقات والأنفاس ذكر الله سبحانه وتعالى، لما في ذلك من الخير الجزيل، والآلاء التي لا تعد ولا تحصى، لا سيما في هذا الزمان الذي انشغل فيه البشر بالماديات والملهيات.
ترَحَّل عن الدنيا بزادٍ من التقى فعمــرك أيـامٌ تُعـد قلائـلُ
يقول تعالى: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
وفي البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:(مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت).
ولمّا كان للذكر عموما فضائل ودرجات، حازت الحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله) على أوفر النصيب وأعلى الدرجات، لما فيها من الاعتراف والإقرار بالتبرؤ من الحول والقوة إلا بالله تعالى، ولقد توافدت البراهين على مكانتها، فكان من ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله بن قيس قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة). وقال إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم: (يا محمد مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة، قال وما غراس الجنة ؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله) الترمذي.
وحيث إن للكلمة في اللغة مدلولا ومعنى، فحري بالمسلم أن يتعرف هذه الكلمة وما تحمل في طياتها، فالكلمة مركبة من أمرين وهما: النفي والإثبات، ينفي قائلها الحول والقوة عن نفسه وعن كل شيء، ويثبته لله تعالى وحده لا شريك له مستسلما ومستعينا.
(مستسلما): بأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا أن يبدل حاله من مرض إلى صحة، ولا من ضعف إلى قوة، ولا من فقر إلى غنى، لا مانع لما أعطى الله سبحانه ولا معطي لما منع (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
(مستعيناً): بلا حول ولا قوة إلا بالله على تبدل الأحوال، وصروف الزمان، التي إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن سرت يوما أحزنت شهورا، فالإنسان لا حيلة له ولا قوة إزاء خطوب الأيام، ولذا منحنا المولى هذه العطية؛ لتواسي الإنسان، وتلملم الجراح، وتخفف وطأة البلاء، فتزول من خلالها الهموم والغموم، كما أنها عون من الباري سبحانه على أداء الفرائض والواجبات، فلولا إعانته لما وفق العبد لمرضاته، وقوي على طاعته، وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد كل صلاة:
(اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) للدِّلالة على أن المعين على ذلك هو الله سبحانه، وخير الذكر ما وافق القلب اللسان، واستشعر الذاكر معانيه ومقاصده.
وقد لا حظت كثيراً من المواقف، التي أخطأ فيها بعض الأخوة والزملاء دون وعي حال ذكرهم (لا حول ولا قوة إلا بالله)، إذ يقولون: (لا حول الله) أو (لا حول ولا قوة)؟!
بنفي الحول والقوة عن الله تعالى دون إثبات، وهذا من الأخطاء اللفظية الفادحة، لما تحمله من المعاني الفاسدة، نحو: (أن الله تعالى لا يبدل الأحوال من مرض إلى صحة، أو من فقر إلى غنى..، وليست له سبحانه قوة) ـــ والعياذ بالله ـــ قال عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ).