الدعوة الإسلامية هي صمام الأمان للمجتمع الإسلامي، وفي كل الأزمات التي تمر بها الدول الإسلامية يصبو المسلمون إلى الدعاة لكي ينيروا لهم الطريق، حيث قدم الإسلام للبشرية رسالة سمحة تعلو فوق كل العصبيات، والعلماء والدعاة هم القائمون على هذه الدعوة التي تمثل مفتاح النجاة للمسلمين في كل العصور..
وعلى الرغم من أن الدعوة الإسلامية تتسم دائما بوسطيتها واعتدالها، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور بعض أصحاب الأصوات العالية الذين يظنون أنهم بالصوت العالي يمتلكون الحقيقة، بل ويستغلون قدرتهم على إحداث الضجيج للدفع بالمسلمين إلى الانشغال بقضايا هامشية، وهو ما تحذر منه د.آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر، حيث تقول إنه على الدعاة والأئمة في بلدان العالم الإسلامي أن يدركوا أن الفترة الحالية تحتاج إلى فعالية ونضج في تناول القضايا الإسلامية من خلال تناول وسطي لهذه القضايا، خاصة وأن الساحة الآن مزدحمة بأصحاب الصوت العالي وكل فريق من هؤلاء يتصور أنه صاحب العقيدة الصحيحة، مع أن الإسلام هو الدين الوسط، مصداقا لقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)، مؤكدة أن غياب الوسطية والابتعاد عن الشطط الذي انتشر في الساحة الحالية حدث نتيجة الفهم الخاطئ لمعنى الحرية.
ووصفت د.آمنة الدعاة بأنهم بمثابة الأطباء للنفس وللأخلاق، فالطبيب يعالج البدن، بينما يعالج الدعاة الأخلاقيات بتبصير الناس بما يفرضه الدين الإسلامي الحنيف من ضرورة التحلي بالخلق القويم والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه.
مواجهة السلبية
ويؤكد الشيخ أحمد ترك، إمام مسجد النور الشهير بالعاصمة المصرية القاهرة، أن على الأئمة والدعاة دور كبير في محاربة الفساد وتوعية الناس بحدود العلاقة بين الحاكم والمحكوم والوقوف في وجه الفساد، كما ينبغي عليهم أيضا معالجة السلبية بكل أشكالها وفي كل مناحي الحياة سواء فيما يتعلق بالقضايا السياسية التي يشهدها المجتمع أو القضايا الاجتماعية التي تشغل بال المسلمين، مؤكدا أنه على المسلم أن يكون إيجابيًا في كل أفعاله ويقول كلمة الحق؛ لأن إعلان كلمة الحق بقوة وبتصميم يكون أكثر تأثيرًا من السلاح في بعض الأحيان.
أضاف الشيخ ترك أن دور الدعاة هو دفع الناس إلى السلوك الإيجابي والعمل على تغيير أي ظاهرة سلبية والمشاركة في القضايا العامة بكل أنواعها، وأن يحسنوا اختيار ولي أمرهم، وهذا أمر ضروري يفرضه الدين، فإذا تم هذا سيستطيع الناس اختيار الحاكم والقائمين على شئونهم وفقا للمصلحة العامة دون أن يكون الاختيار قائمًا على عصبيات أو مصالح ضيقة، مؤكدا أن كل هذه الأمور ينبغي أن تثار من فوق المنبر من خلال الأئمة وهم يمارسون دورهم الدعوي بين صفوف المسلمين.
إصلاح القلوب
أما د.عبد المعطى بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، فقال: إن الدعاة عليهم دعوة الناس إلى أن يتكاتفوا ضد الفساد والتمسك بالأخلاق القويمة وبالدين والشرع، مؤكدا أن الأديان السماوية كلها تدعو إلى الأخلاق وهدفها الأساسي هو إصلاح القلوب من خلال الدعوة إلى حسن الأخلاق والتصدي لمن يسعى إلى الإفساد ومقاومة الفساد والرشوة، مع أهمية العودة إلى التأسي بسلوك السلف الصالح وبأخلاقهم وقيمهم الإسلامية الراشدة من عدل ورحمة وعطاء وإنكار للذات، وكذلك ضرورة الدعوة إلى إحياء فريضة الزكاة؛ لأنها وسيلة هامة للقضاء على الفقر في المجتمعات العربية والإسلامية.
صراعات مذهبية
وهو نفس ما يؤكده الشيخ خالد عبدالله، الداعية الإسلامي، الذي قال: إن الفساد الذي عانت منه بلدان عربية وإسلامية كثيرة هو جزء من منظومة النفاق وهو خُلق خبيث نهى عنه الإسلام الذي حذر من المنافقين واعتبرهم أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من المشركين أنفسهم؛ لأنهم في حقيقة الأمر مفسدون ويحاولون ارتداء ثوب المصلحين، مستشهدا بقول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)، إلا أن الشيخ خالد شدد في نفس الوقت على ضرورة أن يعي الدعاة بأن هناك أولويات للقضايا التي يجب أن يتناولها الأئمة والدعاة، وهذه القضايا تختلف من زمن لآخر، مؤكدا في نفس الوقت أن محاربة الفساد والدعوة إلى إصلاح المجتمع من أهم القضايا التي يجب تذكير المسلمين بها باستمرار، مع ضرورة عدم الصمت على أي صورة من صور الفساد، مشيرًا أن سبب البلاء الذي وقع بالمسلمين طوال الفترة الماضية هو الصمت عن الفساد سواء كان فساد حاكم أو فساد محكومين، مؤكدا أن الخطاب الديني الذي يقدمه الدعاة والأئمة يجب في نفس الوقت أن يبتعد عن محاولة إثارة النعرات الطائفية، وأن يكون خطابًا وسطيًا وسمحًا لا يبتغي إلا الإصلاح دون أن يشتت انتباه المسلمين إلى قضايا فرعية أو يدخلهم في صراعات دينية أو مذهبية لا طائل من ورائها.
