قال الشيخ :النظر التالي في سلوك العصيان مما يطلب به العاصي لذة حاضرة هو في كونه مستقبحا في نفسه. فالحق سبحانه وتعالى لم ينهنا عن شيء إلا وفيه ما يكفيه سببا للنهي، من حيث أنه لا يليق بمن أراد لنفسه عيشا طيبا سويا أخلاقيا أن يرتكبه أو يقربه، والحاسة الخلقية فطرة في الإنسان تلح عليه مهما تمرغ في أوحال الأخطاء، ومن شأن التربية الصالحة أن تنمي هذه الحاسة كما أن من شأن إهمال التربية أو تركها أضعافها وان لم تصل الى حد انهائها والغائها، ولعل هذه الحاسة مما برأه الله سبحانه وتعالى في الانسان ليكون دليلا له الى الحياة الطيبة وحجة عليه ان لم يستجب لندائها، والقبح انما يأتي من نفوس طيبة تعف عن الرذائل وفي كل نفس هذا الاستعداد، ولننظر في الكبائر التي صنف فيها العلماء والتي جعل الحق سبحانه وتعالى اجتنابها شرطا للمغفرة كالشرك بالله وقتل النفس والزنا والسرقة وشرب الخمور وعقوق الوالدين وشهادة الزور....هل في كل هذا مالا تستقبحه النفس الطيبة وتعافه؟ وهل يمكن لامرئ أن يميل الى مثل هذا ولا يشعر بالخزي ان هو قارب حدوده؟اللهم الا بالغفلة والاستجابة لنداء اللذة العارضة.
والقبح في سلوك العصيان انما هو ناجم عن إفراط في السير مع ما تطلبه النفس الى ما بعد حدود الانتفاع، مما يوقع في ظلم النفس والآخرين، والظلم قبيح في نفسه، كما أن القبح فيه انما هو في الاستجابة لدركات شهوة النفس مقابل معتليات الروح، مما يضيع على العاصي مدارج سلوكه الروحاني وهو ما يميزه كانسان عن بقية المخلوقات، والعروج الروحاني حسن في نفسه، والهبوط فيه قبيح لا يليق بمن جمع الى بدنه روحا شريفة، ثم ان القبح انما يأتي من كون سلوك العصيان فيه مخالفة للعزيز الرحمن والرقيب الديان، فان لم يرعوا المرء حياء من الرب الكريم ولم يحجم خوفا من عذاب عظيم فانه بهذا يكون قد عطل في نفسه كل خصلة خير ولم يزد عن الحيوان الا بما ليس فيه من ضير.
فالظلم، والسقوط الروحاني، وقلة الحياء مع رب كريم ودود، وعدم النظر في العاقبة الدنيوية، والآجلة الأخروية، هي علامات واضحات ومظاهر بينات لقبح المعاصي وذمها.
ولما كان الوقوف عند المنكرات لا يحصل الا بالبعد عنها وعدم مقاربة حدودها قبح كل سلوك يؤدي اليها وكل حالة تقرب منها، والعاقل من يبصر في كل معصية كبيرة أو صغيرة ليرى فيها الظلم والجرأة والخطر.
والقبيح من السلوك لا ينحصر في الضار فقط، أو في ما ظهر ضرره للعيان، اذ إن القيم ليست قائمة على مجرد المنافع والمصالح، وقد يقبح سلوك ويظهر للناس أنه لا يضر أحدا، من هنا كان تقبيح الشرع وتحسينه هما الأصل في الحكم على السلوك، وقد رأينا اليوم من يرى حتى في الرذائل شيئا من المنافع، أو أنها على الأقل مما تسمح به حريات الانسان التي يجب أن تكون مكفولة، ومادرى هؤلاء أن الحكمة لله جميعا في كل شيء، وفي التحريم والتحليل، وفي الأمر والنهي، وتكفي المخالفة والجرأة عليها انحدارا وسقوطا كبيرين.
وعندما يترك الأمر لتقييم الأفراد يصعب الوصول الى اجماع في شيء، من هنا لزم الوقوف عند الشرع وما يحسن وما يقبح، اذ إن الشرع متعال عن الناس لا يمثل فردا ولا جماعة ولا قوما قد يسهل الخروج عليهم عند هذا أو ذاك.
وخير للمرء أن يبحث في حكمة الأمر والنهي من أن يبحث في علة أو غاية كل منهما، فمادام المرء قد آمن بالله ربا وبالاسلام دينا وجب عليه الالتزام بالقيم الشرعية والاحتكام اليها أولا وقبل كل شيء، ثم له أن يبحث في المنافع والمعاني الأخلاقية، وهذا باب للشيطان دلف منه كثيرون الى تعطيل أحكام وقيم الشرع لما عولوا على العلل والغايات في التحليل والتحريم مما لم يتضح لهم، أو مما اتضح وأرادوا أن يدلسوه على الناس.
