أكد الدكتور محمد إبراهيم العشماوي الأستاذ المساعد في الحديث وعلومه جامعة الأزهر بمصر وكلية الإمام مالك للشريعة والقانون بدبي أن الرؤية المستقبلية ليست جديدة ولا بعيدة عن الإسلام، بل هي جزء من جوهر هذا الدين، الذي يمثل المستقبل لجميع الأديان الماضية، إذ كانت كلها تمهد له، وتبشر بقدومه، حتى بزغ فجره، وسطعت شمسه، ثم هو في كل تعاليمه يدعو أتباعه إلى الأخذ بالأسباب التي تجعلهم يحيون مستقبلاً أفضل في دنياهم وفي أخراهم. وقال في بحث له عن «فقه التخطيط للمستقبل في ضوء السنة والسيرة» قدمه للندوة العلمية الخامسة التي نظمتها كلية الدراسات الإسلامية إن دراسة الواقع من أهم الضوابط التي تضع العلامـات الهادية أمام قادة التخطيط، وتساعدهم على اتخاذ القرار في ضوء نتائجها. ولقد كانت معظم قرارات النبي صلى الله عليه وسلم صادرة عن دراسة واعية للواقع من حوله، ورصد كل المعلومات التي تدعم عملية اتخاذ القرار. فاختياراته السياسية، وضرباته العسكرية الموفقة هي إحدى ثمرات العمل بهذا المبدأ.

 

منجزات الإنسان

وأوضح أن مفهوم المستقبل ينطلق في السنة النبوية من نظرتها إلى المدى الزمني لحياة الإنسان، ولما كانت الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف بالنسبة لرحلة الإنسان إلى الله كما هو التصور المادي لها كانت نظرة السنة إلى المستقبل تمتد إلى ما بعد الحياة الأولى ؛ حيث يواجه الإنسان مستقبلاً آخر لا نهاية له ولا حدود، وهذا أمر تفتقده كل النظم الحديثة التي تتسم نظرتها إلى المستقبل بالمحدودية بناء على عملية الفصل بين الحياتين الأولى والآخرة.

لقد كان نظر النبي صلى الله عليه وسلم يتجه دائماً نحو المستقبل، ولم يكن ينظر إلى الماضي أو الحاضر إلا بقدر ما يفيده في سعيه نحو المستقبل، ويرجع اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالمستقبل إلى أنه الوعاء الزمني لمنجزات الإنسان وأعماله المرجوة. والمتأمل في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وأذكاره يشعر فيها بظلال الأمل الفسيح في رحمة الله وكرمه أن يهيئ له مستقبلاً خالياً من العوائق والمنغصات ليتمكن من تحقيق آماله في تبيلغ الرسالة وأداء الأمانة على الوجه الذي يرضي ربه سبحانه.

 

ضرب المثل

لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تناسي الماضي المؤلم إذا كانت ذكراه تعوق الإنسان عن السعي للمستقبل، وتجلب له الهم والغم المانعين من التخطيط السليم، المشوشين للفكر بكثرة الافتراضات التي لا تغني من قدر الله سبحانه شيئاً.وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجه أصحابه إلى تناسي الماضي المؤلم والتطلع إلى المستقبل المشرق حتى لا تضيع أعمارهم في البحث عن السراب.وهذا ليس على إطلاقه، فقد يكون تذكر الماضي حافزاً قوياً على العمل للمستقبل. ومما يؤكد قيمة المستقبل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ما نراه من شدة حرصه على أن يرسخ في أذهان أصحابه مفهوم النظر إلى المستقبل حتى وهُم في أحرج لحظات الحياة، ودعوته إياهم إلى استشراف المستقبل والتخطيط له تارة بالأسلوب المباشر، وأخرى عن طريق ضرب المثل وحكاية القصة. إن هذا الأسلوب في التخطيط الذي يتسم ببعد النظر وعمق الفكر يحتاج إليه المعلم في إدارة التعليم، ورجل الاقتصاد في السوق، والمفاوض على مائدة المفاوضات. فليس من شك أن الإلحاح المستمر في أي أمر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ومن هنا فإن الحكمة التخطيطية تقتضي مراعاة الأوقات المناسبة لتنفيذ الخطط وتحقيق الأهداف.

 

تدابير وقائية

إن السنة النبوية في جلها دعوة إلى المستقبل، وذلك أنها جاءت بأوامر ونواه، ورتبت عليها جزاء عاجلاً أو آجلاً، فلفتت السنة النبوية بهذا الأنظار إلى ضرورة النظر للمستقبل والعمل له سواء أكان قريباً أم بعيداً، ومن ثم قيل: إن التشريعات العقابية قائمة على النظرة المستقبلية من حيث إنها تدابير واقية للمنع من الجريمة قبل وقوعها، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم عن الحدود إنها: «زواجر وجوابر» ولا شك أن هذا هو إحدى وسائل التخطيط لمستقبل الأمن الاجتماعي. بل إن حديث السنة النبوية عن أخبار الأمم الماضية، إنما هو في حقيقته من وسائل التخطيط للمستقبل عن طريق الاستفادة من تجارب تلك الأمم. ولعل تسمية هذا الحقل بالتخطيط للمستقبل هي الأدق والأليق بمضمونه وسيلة وغاية ويراد به: «التصور المستقبلي المبني على الدراسة والتحليل والإحصائيات الثابتة للعمليات المستقبلية، ويتم عادة قبل العمل والتنفيذ». ويمكن التعبير عنه بأنه «محاولة التعرف على صورة المستقبل بناء على تصور سابق محفوف بالقرائن، ومقدمات تؤدي إلى نتائج معينة في الغالب». وهو بهذا المعنى يتفق مع منهج السنة النبوية.