الإسلام أصبح واحداً من أهم القضايا التي تتناولها وسائل الإعلام ومراكز البحوث في أميركا الشمالية والجنوبية إلى الحد الذي أصبح معه الإسلام والمسلمون شأنا داخليا في الأميركتين يؤثر في الرأي العام والشارع السياسي في بلدان القارتين..

وكتاب «المسلمون الأوائل في الأميركتين» الصادر أخيراً في القاهرة عن مكتبة مدبولي يتعرض لبداية وصول المسلمين إلى قارتي أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية ضمن السفن التي كانت تحمل العبيد الأفارقة إلى الأرض الجديدة، ويتعرض كذلك للأصول الإسلامية للأفارقة الذين تم أسرهم ونقلهم إلى الأميركتين.. ويحاول المؤلف من خلال تتبع حركة تجارة الرقيق الأفريقي على يد الأوروبيين الذين نقلوا أعداداً هائلة منهم إلى الأرض الجديدة أن يضع يده على بدايات الوجود الإسلامي في الأرض الجديدة ومعاناة المسلمين في هذه الأرض التي بنى فيها الأوروبيون حضاراتهم المزعومة على دماء وعظام الأفارقة المسلمين.

دراسة كافية

ففي مقدمة وخمسة فصول يربط المؤلف في الفصل الأول منه بين الإمبراطوريات والممالك الإسلامية غربي القارة الأفريقية وبين جذور الوجود الإسلامي في قارتي أميركا الشمالية والجنوبية، ثم يتناول في الفصل الثاني حركة الكشوف الجغرافية، وفي الفصل الثالث تجارة الرقيق على اعتبار أن هذه التجارب كانت سبباً لانتقال أعداد كبيرة من المسلمين الأفارقة إلى الأميركتين أو العالم الجديد كما كان يطلق عليه في هذا الوقت، ثم يتناول في الفصل الرابع المسلمون الأوائل في أميركا، حيث يعرض لثورات ارتبطت بشخصيات مسلمة في القارة، وفي الفصل الخامس من الكتاب يتعرض المؤلف لأوضاع المسلمين في كل دولة من دول الأميركتين على حدة.

 

الأسر البشري

يقول المؤلف في مقدمة كتابه «إنه بالرغم من قدم وجود الإسلام في قارتي أميركا الشمالية والجنوبية، إلا أن هذا الوجود لم يحظَ باهتمام ودراسة كافية، بل إن وجود المسلمين في العالم الجديد لم يثر انتباه الباحثين والأكاديميين»، ويرجع المؤلف وجود الإسلام في العالم الجديد إلى عمليات القرصنة البشرية التي قام بها الأوروبيون نحو سكان أفريقيا، خاصة من الشواطئ الغربية إلى الجنوب من دولة المغرب، حيث تم نقل ‬11 مليون أفريقي تقريباً، أغلبهم مسلمون، من هذه المناطق إلى أراضي العالم الجديد لخدمة المستعمر والمستكشف الأوروبي في عمليات الزراعة والتعدين فضلا عن خدمة الرجل الأبيض.

ويشير المؤلف في مقدمة كتابه إلى أن الأكاديميين اهتموا بدراسة عملية الأسر البشري والترانسفير السكاني نحو العالم الجديد كواحدة من أبشع الممارسات الإنسانية ظلماً التي مارسها الأوروبيون -بالرغم من ادعائهم للحضارة- نحو سكان هذه المناطق الأفريقية، إلا أن الباحثين لم يدرسوا في نفس الوقت التقسيم الإثني والديني لهؤلاء الذين تم أسرهم ونقلهم إلى أراضي العالم الجديد، كما يعرب المؤلف عن دهشته في نفس الوقت من أن الباحثين في العالم العربي والإسلامي لم يبدوا اهتماماً كافياً بكون منطقة غرب أفريقيا -وهي المنطقة التي كانت المصدر الأول والأساسي لتجارة النخاسة التي مارسها المستعمرون الأوروبيون منذ أن وضعوا أقدامهم على أراضي القارة الأفريقية- كانت جزءاً من الامتداد الحضاري للعالم الإسلامي، كما كانت شديدة الصلة بالحضارة والثقافة الإسلامية.

 

الممالك الإسلامية

وعلى هذا فإن المؤلف يتناول في الفصل الأول من كتابه الإمبراطوريات والممالك الإسلامية غربي القارة الأفريقية، حيث يعتبر المؤلف أن الغرب الذي وصفه بأنه مدعي الحضارة قد أقام هيكل مدينته المزعومة في العالم الجديد -وهو يقصد هنا الأميركتين- على أنقاض ممالك ومدن غرب القارة الأفريقية بعد أن اقتلع الإنسان الأفريقي من وطنه؛ لكي يزرع له قصب السكر في البرازيل وكوبا والولايات المتحدة، ولكي يقتطع له الأحجار الكريمة ويستخرج له الذهب والفضة.

ومن أهم الممالك الإسلامية التي تناولها المؤلف والتي تحولت إلى مصدر للنخاسة ولاختطاف البشر ونقلهم إلى العالم الجديد، إمبراطورية غانا التي عاشت كإمبراطورية عظيمة خلال الفترة من ‬790م-‬1076م والتي كانت تعرف أيضاً باسم إمبراطورية «واجادوا» وتقع هذه الإمبراطورية في المنطقة الواقعة الآن إلى الجنوب من موريتانيا وغربي مالي وكانت مساحتها تقدر بحوالي ‬800 ألف كيلومتر مربع..

وبالإضافة إلى إمبراطورية غانا كانت هناك أيضاً مملكة «تكرو» وقد عاشت كمملكة مزدهرة في الفترة بين ‬800م - ‬1285م، وامتازت هذه المملكة بأن شعبها وملكها مسلمون، على خلاف إمبراطورية غانا التي كان شعبها مسلماً وحاكمها يتبع ديانات محلية، كما ظهرت في هذه المنطقة أيضاً إمبراطورية مالي في الفترة من ‬1230م - ‬1600م، وكانت إمبراطورية عظيمة المساحة والمكانة ووصلت مساحتها إلى ‬1,5 مليون كيلومتر مربع وكان عدد سكانها يصل إلى ‬45 مليون نسمة وهو عدد كبير بمقاييس هذه الفترة التاريخية ويدل على قوتها ومدى ثرائها المادي والحضاري.

بالإضافة إلى إمبراطورية «سونجاي» وظهرت في الفترة من ‬1340م - ‬1591م، وإمبراطورية «المرابطين» في الفترة من ‬1045م-‬1145م، وظهرت هذه الإمبراطورية في بلاد المغرب العربي ولعبت دوراً كبيراً في المحافظة على الوجود الإسلامي في الأندلس في شبه جزيرة أَيْبِيرِيَا، وإمبراطورية «الولوف» في الفترة من ‬1350م - ‬1900م، وهي إمبراطورية ظهرت على الساحل الغربي لأفريقيا واعتنق سكانها الإسلام في القرن الثامن عشر تقريباً، وكانت إمبراطورية «الولوف» من أوائل الإمبراطوريات التي ارتبطت بعلاقات تجارية مع البرتغاليين، وثار نزاع داخلي بين أمرائها هرب على أثره الأمير بيموي إلى البرتغال واعتنق المسيحية هناك وقابل الملك يوحنا الثاني في لشبونة وعاد في حملة عسكرية مدعومة من البرتغاليين إلى إمبراطوريته في محاولة ليتمكن منها ولكنه فشل في ذلك.

ويؤكد المؤلف في الفصل الخاص بحركة الكشوف الجغرافية التي قام بها الأوروبيون أن هذه الحركة ارتبطت بالصراع بين المسلمين والنصارى في الشرق والغرب، ففي الشرق كانت هناك الإمبراطورية العثمانية التي أسقطت الإمبراطورية البيزنطية إلى الأبد بالاستيلاء على عاصمتها القسطنطينية وتحويلها إلى عاصمة للدولة العثمانية المهابة في ذلك الوقت، وأطلقوا عليها اسم إسطنبول، وفي الغرب استمرت مملكتا اسبانيا والبرتغال في حروبهما المتواصلة لطرد المسلمين من الأندلس حتى تمكنتا من الإطاحة بمملكة غرناطة آخر الممالك الإسلامية في شبه جزيرة أيبريا عام ‬1942 وإعلان شبه الجزيرة الأيبيرية بلاداً للمسيح مع أن نص الاتفاقية بين فرديناند وإيزابيلا وآخر ملوك بني الأحمر في غرناطة كان ينص على السماح للمسلمين بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية، إلا أن المسلمين في نهاية المطاف خيروا بين اعتناق النصرانية أو مغادرة البلاد.

ويشير الكاتب إلى أن ما بين ‬12 -‬20 مليون أفريقي تم نقلهم عبر المحيط الأطلنطي إلى قارتي أمريكا عبر سفن الإنجليز والأسبان والهولنديين والفرنسيين والبرازيليين، بالرغم من أرقام أخرى ترفع عدد الأفارقة الذين تم نقلهم إلى الأميركتين إلى ‬50 مليون أفريقي معظمهم مسلمون. وعلى ذلك فإن المؤلف يؤكد في كتابه أن الإسلام كان حاضرا في الأميركتين مع بداية القرن السادس عشر على الأقل، وأن هؤلاء الأفارقة السود الذين تم أسرهم ونقلهم قسراً إلى الأرض الجديدة كانوا هم الذين شكلوا بداية وجود المسلمين الأوائل في قارتي أميركا الشمالية والجنوبية.